في مهرجانٍ اعتاد أن يحتفي بالإبهار البصري والأسماء اللامعة، يأتي فيلم “غارانس” للمخرجة الفرنسية جان هيري ليكسر القاعدة. فهو أشبه باعتراف شخصي حميم، لا يبحث عن الإبهار بقدر ما يغوص بهدوء داخل الخراب الإنساني. على سجادة “كان” الحمراء، حيث تلمع الوجوه أكثر مما تلمع الأرواح، ظهرت أديل إكزاركوبولوس وهي تحمل هذه الشخصية المكسورة، كما لو أنّها تحمل جراح جيل كامل يصارع اليأس الضياع والإدمان.
“غارانس” ليس فيلماً عن الإدمان فقط، رغم أنّ الكحول حاضر فيه كظلّ ثقيل يرافق البطلة في كل تنقلاتها. إنّه فيلم عن جيل فرنسي يعيش بين هشاشة الفنّ، وضغط النجاح، وفوضى العلاقات العاطفية، وقلق المدينة الحديثة. ثماني سنوات من حياة ممثلة شابة تتحوّل هنا إلى ما يشبه يوميات سقوط بطيء، أو إلى مرثية عن شباب يستهلك نفسه ويدمّر صحّته تحت شعار الحرية.
باريس باردة وأديل تخطف الأضواء
تختار جان هيري أن تروي الحكاية دون ميلودراما صاخبة. الكاميرا تقترب من البطلة مثل صديق يعرف أنّ الكلمات لن تنقذ أحداً. باريس في الفيلم ليست مدينة رومانسية كما جرت العادة في السينما الكلاسيكية، بل فضاء بارد، سريع، يترك أبطاله يضيعون داخل الحفلات، الشقق المؤقتة، والعلاقات العابرة. هنا يبدو الفن نفسه وظيفة هشّة، والتمثيل مجرّد قناع إضافي لإخفاء التعب الداخلي.
أداء أديل إكزاركوبولوس هو قلب الفيلم الحقيقي. منذ “حياة أديل” (رائعة عبد اللطيف كشيش التي خطفت السعفة الذهبية عام 2013)، وهي تمتلك تلك القدرة النادرة على تحويل تعابير الجسد إلى لغة متكاملة. في “غارانس” لا تمثّل الإدمان، بل تجعلك ترى كيف يتحوّل الإنسان تدريجياً إلى نسخة أقلّ وضوحاً من نفسه. نظراتها المتعبة، ضحكاتها العالية، ارتباكها في الصباحات الباريسية الباردة… كلّ ذلك يمنح الفيلم صدقه العاطفي، حتى عندما يتعثّر السيناريو في الجزء الأخير من الفيلم بسبب المغالاة في تبسيط رحلة التعافي. ما يجعلها تتصدر السباق على جائزة أفضل ممثلة، بالرغم من أن المهرجان ما يزال في منتصف الطريق.
اختيار اسم “غارانس” ليس بريئاً. الاسم يستدعي فوراً بطلة فيلم “أطفال الفردوس” لمارسيل كارنيه، واحدة من أشهر الشخصيات النسائية في تاريخ السينما الفرنسية. كأنّ جان هيري تريد أن تقول إنّ بطلات اليوم لم يعدن يشبهن نساء السينما الكلاسيكية: لم تعد البطلة هي تلك المرأة الغامضة التي يلاحقها الشعراء والعشاق، بل باتت امرأة تحاول فقط أن تنجو من شرّ نفسها.
دراما إنسانية تهمس بوجع الحياة اليومية
الفيلم، المعروض في المسابقة الرسمية لمهرجان “كان”، ينتمي إلى السينما الفرنسية ذات النفَس الاجتماعي، التي تحبّ الاقتراب من العطب الإنساني دون أحكام أخلاقية جاهزة. لكنه أيضاً يعكس تحوّلاً واضحاً في مزاج السينما الأوروبية المعاصرة: اهتمام أقلّ بالحكايات الكبرى، وتركيز أكبر على التصدّعات النفسية الصغيرة التي تصنع هموم الحياة اليومية.
قد لا يكون “غارانس” الفيلم الأكثر اكتمالاً في دورة كان هذه السنة، لكنه بالتأكيد واحد من أكثرها إنسانية وحساسية. فيلم يهمس أكثر مما يصرخ، ويترك خلفه ذلك الأثر الحزين الذي لا تتركه الأفلام الأكثر نجاحاً، بل الأكثر صدقاً.















