أسقط توثيق التجارب الذاتية للمنشقين عن الإطار التنظيمي لـ”جماعة الإخوان المسلمين” النقاب عن الأسرار التي تلتحف بها مكونات الهيكل “الإخواني”، وبعيداً عن ثقافة التنظير، فضلاً عن قدرتهم في تقديم الصورة الحقيقية عن الأوضاع الداخلية التي تعمد القائمون على “الجماعة” إخفائها منذ تأسيسها في العشرينيات من القرن الماضي.
اعتمدت السرديات الذاتية للقيادات والعناصر المنشقة عن “جماعة الإخوان” ومشروعها على النقد الحركي والفكري، وتدليل منطقهم بعشرات البراهين والمواقف المتعايشة تحت مظلة الانقياد والتبعية التنظيمية التي ارتبطت بالإطار العقائدي، وفي إطار ذلك سطر عددٌ منهم جزء من تجاربهم داخل الكيان المسردب والمغلف بالسرية والغموض.
كنت إخوانياً.. وأصبحت مصرياًٍ
من أبرز هذه التجارب ما طرحه القيادي السابق بـ”الجماعة” طارق البشبيشي، في كتابه “كنت إخوانياً.. وأصبحت مصرياًٍ”، وكذلك كتاب “حتى لا تقع في الشباك”، لخميس الجارحي، وكتاب “عرفت الإخوان في السجن” لعماد عبد الحافظ، و”صندوقي الأسود”، للكاتبة الصحفية ناهد إمام.
كما قدم الفرنسي من أصل مغربي محمد لويزي، تجربته “الإخوانية” بعد انفصاله عن المشروع، تحت عنوان صريح هو: لماذا انفصلت عن الإخوان المسلمين؟، في العام 2016، مستعرضاً مساره الحركي قبل اتخاذ قرار الانفصال النهائي عن المشروع، كما أصدر كتاب “نداء من أجل إسلام لا سياسي”، وكتاب “تحرير الإسلام من الإسلاموية”.
ويعتبر الكتاب شهادة فكرية وسياسية مهمة ضمن أدبيات ما يُعرف بظاهرة “المنشقين”، عن الحركات الإسلامية الذين يقدمون مراجعات نقدية لتجربتهم التنظيمية والفكرية، ويرى محمد لويزي، الذي عاش تجربة الانخراط داخل “جماعة الإخوان” في المغرب وأوروبا، قراءة نقدية لتلك التجربة، كاشفاً آليات العمل التنظيمي، ومنهجية الانتشار في الغرب، وطبيعة المشروع الأيديولوجي الذي يحكم الحركة. ولا يقتصر الكتاب على كونه مذكرات شخصية، بل يمثل تحليلاً فكرياً لمسار الإسلام السياسي، ويطرح تساؤلات جوهرية حول علاقة الدين بالسياسة، وحدود العمل الدعوي، وطبيعة المشروع “الإخواني” في أوروبا والعالم العربي.
“سر المعبد” و”قصتي مع الإخوان”
سبقهم في هذا المضمار كتاب “جنة الإخوان”، لسامح فايز، وكتاب “سر المعبد” للدكتور ثروت الخرباوي، وكتاب ” قصتي مع الإخوان” لسامح عيد، و”رسائل التكفير في فكر حسن البنا”، وكتاب “من داخل الإخوان أتكلم” لأسامة درة، وكتاب “تجربتي مع الإخوان.. من الدعوة إلى التنظيم السري” للدكتور عبد الستار المليجي، و”مذكرات أخت سابقة.. حكايتي مع الاخوان”، للروائية انتصار عبد المنعم، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة.
وفي إطار المراجعة النقدية للمشروع الفكري للجماعة، قدم عضو مجلس شورى الجماعة السابق، الدكتور أحمد ربيع غزالي، أول دراسة نقدية في فكر الإخوان، تحت عنوان “ألغام في منهج الإخوان”، عن دار “سما”، وطرح أحمد بان “القواعد الأربعون للفكر الإخواني”، وكتاب “الإخوان المسلمون ومحنة الوطن والدين”.
التجارب الذاتية سالفة الذكرة، يحتاج كل منها عرضاً خاصاً بمحتوياتها، وإن ركزت أغلبيتها على عدد من النقاط المتعلقة بالجانب الحركي، لا سيما خطوات الاستقطاب الفكري، ومراحل التجنيد التنظيمي، وعملية التحول التي يتعرض لها الأفراد منذ وقوعهم في شباك الجماعة ومخططها، وانقيادهم لمبادئ السمع والطاعة.
يمثل توثيق التجارب الذاتية للمنشقين خيطاً مهماً في فضح غموض التنظيم السري، من واقع الممارسة الميدانية والعملية، في ظل الضوابط التي وضعت منذ تأسيس الجماعة على يد حسن البنا، لإخفاء وقائع التنظيم وآليات تغلغله داخل المجتمع، ومراحل صناعة القوالب الإخوانية، وروابط العلاقة بين الأفراد والجماعة، فضلاً عن التراتبية التنظيمية التي تغلق الأسرار على دائرة بعينها.
الانفصال الفكري والانشقاق التنظيمي
على الرغم من المسافة الفاصلة بين الانفصال الفكري والانشقاق التنظيمي عن “جماعة الإخوان”، لا يمكن تعميم أسبابهما ودوافعهما على مختلف القوالب أو النماذج التي تمردت على الواقع المتعايش داخل جدران الجماعة؛ إذ تتوقف هذه الأسباب في النهاية على معطيات نفسية واجتماعية وبيئية وفكرية. ومع ذلك، تبدو السمة الغالبة في “رائحة الندم” التي تنضح بها سطور تلك التجارب، وما يرافقها من أسف على ضياع سنوات العمر، وارتمائهم داخل كيان تنظيمي يخدع أبناءه، ويلغي عقولهم، ويحوّلهم إلى موتى بين أيدي قادتهم ونقبائهم.
كما لا يمكن تجاهل المشاعر الإنسانية المختلطة، والحالة النفسية المرتبكة، التي غلّفت تلك التجارب، في إظهار عملية “التمرد” على “الجماعة” وحصونها المنيعة، من الجندية في ظل عسكرة التنظيم، والانعزالية المجتمعية والانقلاب على التقاليد والأعراف السائدة، والتعبئة الفكرية الأحدية، وقدسية القيادات، والاستعلاء الإيماني، وتحقير المجتمع، انتهاء بالتباكي على أمجاد الخلافة.
يضع التخارج من بين ثنايا جدران التنظيم “المنشقين” عنه في دائرة العداء المباشر من قبل قيادات الجماعة ومسؤوليها، ووصفهم بأبشع الاتهامات التي تخلع عنهم رداء الإسلام والإيمان، والباسهم تأويلاً بصفات أهل النار، بل والانغماس في دائرة التكفير والجاهلية، مثلما تحدثنا في الحلقة السابقة.
وبيّنت التجارب الذاتية للمنشقين، أن رغبة الجماعة في الإطاحة بالنظم السياسية والوصول إلى السلطة، جعلها تُخرج الحكومات التي لا تطبق “الأحكام الدينية”، من ملّة الإسلام وتضعها في دائرة “التكفير”، و تشرعن الخروج عليها بالقوة والسلاح، وتعتبر تخلف علماء الأمة ورموزها عن دعم مشروع “الجماعة” يعد “جريمة إسلامية كبرى”، لا تغتفر سوى بالانخراط في نشاطها ومناصرتها.
قراءة في شهادات المنشقين
لم تخف التجارب الذاتية للمنشقين سيادة ثقافة “الأسياد والعبيد” على الإطار العام للمكون التنظيمي، وهيمنة حالة “التمييز” بين الأفراد، في ظل منح فئة أو ثلة، بعضاً من الخيرات المالية، والمكتسبات المعنوية على حساب الآخرين، فضلاً عن توظيف الأعمال الخيرية كغطاء دعائي لتحقيق المكاسب السياسية التي تدعم مرحلة التغلغل والتمكين، وتحويل الطبقات المجتمعية حائط صد أمام أية مواجهات مع النظام السياسي الحاكم، وأحزاب المعارضة.
يمثل التقارب والتنافر مع جماعات وتيارات الإسلام السياسي، نقطة فارقة في مسارات العمل التنظيمي داخل “الإخوان”، لا سيما في ظل الأبحاث الشرعية، التي يتم تدارسها فيما بينهم داخلياً، وترسّخ كمالية الحركة الإخوانية دون غيرها من الجماعات الأصولية الأخرى على المستوى الفكري والحركي والسياسي.
على الرغم من أن التجارب الذاتية للمنشقين، تحمل في طياتها طرحاً أحادياً، في ظل الدفع بالتشكك من مضامينها، أو تغليفها بفكرة “الشخصنة” والانتقام، فإنه لا يمكن تجاهل ما تحويه من معلومات ووقائع تسهم في إثراء العمل البحثي، كنموذج يقاس عليه ويستدل به في إطار تقييدها بالتجربة الشخصية.















