كشفت دراسة صادرة عن معهد البحوث الاقتصادية والاجتماعية في إيرلندا، أن 76% ممن تتراوح أعمارهم بين 17 و25 عاماً تعرضوا لشكل من أشكال التمييز عدة مرات سنوياً، في مؤشر يعكس استمرار التحديات الاجتماعية والنفسية التي تواجه الأجيال الشابة، خصوصاً بين الفئات المُهمشة والأقليات.
استندت الدراسة إلى بيانات مشروع “النشأة في إيرلندا”، الذي أجرى مقابلات مع شباب ضمن هذه الفئة العمرية، لقياس تجاربهم اليومية المرتبطة بالتمييز والمعاملة غير العادلة. واستخدم الباحثون “مقياس التمييز اليومي” EDS، لرصد التجارب المتكررة، مثل المعاملة بقلة احترام أو التعرض للتهديد والمضايقات.
انعكاسات نفسية وصحية مقلقة
اعتبر معظم المشاركين في سن 17 عاماً أن التمييز الذي تعرضوا له كان مرتبطاً بعامل السن بنسبة 63%، تلاه المظهر الخارجي بنسبة 54%، ثم “الجندرية” 40%. لكن الصورة تغيّرت عند سن 25 عاماً، إذ أعرب 41% ممن استُطلعت آراؤهم أن الجنس، أو النوع الاجتماعي، أصبح العامل الأكثر ارتباطاً بالتمييز العنصري.
ربطت الدراسة بين التعرض للتمييز وتدهور مؤشرات الصحة النفسية والرفاه العام لدى الشباب الإيرلنديين. فالأشخاص الذين أفادوا بتعرضهم للتمييز عند سن 25 عاماً سجلوا مستويات أدنى من الرضا عن الحياة، والثقة بالنفس، وتقييم الصحة العامة، حتى بعد الأخذ بعين الاعتبار أوضاعهم الصحية والنفسية في سن 17 عاماً.
كما أظهرت النتائج أن ارتفاع معدلات الشعور بالتمييز مرتبط بزيادة احتمالات الإصابة بأعراض الاكتئاب، إضافة إلى ارتفاع مستويات استهلاك الكحول بشكل ضار. وفي الجانب الصحي، تراجعت احتمالات تمتع الأفراد بصحة ممتازة أو “جيدة جداً” كلما ارتفع شعورهم بالتعرض للتمييز اليومي.
الفئات الأكثر عرضة للتمييز
سلط التقرير الضوء على تفاوتات واضحة بين الفئات الاجتماعية المختلفة. ففي سن 17 عاماً، سجّل الذكور معدلات أعلى على مقياس التمييز اليومي مقارنة بالإناث، لكن هذا الاتجاه انعكس عند سن 25 عاماً، حيث ارتفعت معدلات التمييز بين النساء الشابات. وكان الشباب الذكور أكثر ميلاً للإبلاغ عن تعرضهم لمواقف يشعرون فيها بأن الآخرين يخشونهم أو يتعاملون معهم باعتبارهم مصدر تهديد.
كما أظهرت الدراسة أن الشباب الذين يعرّفون أنفسهم ضمن فئات الميول الجنسية المتنوعة، مثل المثليين وثنائيي الميل الجنسي وغيرهم، واجهوا مستويات أعلى من التمييز في المرحلتين العمريتين. فيما سجل أولئك المنتمون إلى أقليات عرقية، وكذلك الأشخاص ذوو الإعاقة، معدلات أعلى من التمييز مقارنة ببقية المشاركين.
تعزيز سياسات المساواة والدعم النفسي
قالت إيفا سليفن، المشاركة في إعداد التقرير: “من المقلق رؤية النسبة العالية من الشباب الذين يشعرون بأنهم يتعرضون للتمييز، واستمرار ذلك، خصوصاً بين الفئات المُهمشة، يرتبط مباشرة بتراجع الصحة النفسية وجودة الحياة”.
وأكدت أن هناك حاجة ملحّة إلى تعزيز خدمات الصحة النفسية والدعم الاجتماعي للشباب، إلى جانب تبنّي سياسات أكثر صرامة لمكافحة التمييز في التعليم والعمل والفضاء الرقمي.
من جهتها، اعتبرت وزيرة شؤون الأطفال والإعاقة والمساواة الإيرلندية، نورما فولي، أن هذه النتائج تكشف عن شعور واسع لدى الشباب بأنهم يتعرضون للاستهداف أو المعاملة غير العادلة، لاسيما ذوي الإعاقة وأفراد مجتمع الميم والأقليات العرقية. مشيرة إلى أن الحكومة تعمل حالياً على تنفيذ مجموعة من الاستراتيجيات الوطنية الهادفة إلى تعزيز المساواة والاندماج وحقوق الإنسان، ضمن مقاربة شاملة تسعى إلى ترسيخ مجتمع أكثر انفتاحاً وتقبلاً للأجيال المقبلة.
التمييز ممارسة اجتماعية يومية
يكشف استطلاع معهد البحوث الاقتصادية والاجتماعية أنه رغم التقدم الذي حققته إيرلندا في ملفات المساواة والحقوق المدنية خلال السنوات الأخيرة، فإن التمييز لا يزال جزءاً من التجربة اليومية لقطاع واسع من الشباب، وبأشكال تتجاوز القوانين والسياسات إلى تفاصيل الحياة الاجتماعية والنفسية.
وبينما تنجح بعض الفئات في تجاوز آثار هذه التجارب مع التقدم في العمر، يبقى العبء الأكبر على الفئات الأكثر هشاشة، حيث يتحول التمييز من مجرد تجربة اجتماعية عابرة إلى عامل يؤثر في الصحة النفسية والثقة بالنفس والشعور بالانتماء.















