“هذا الكتاب يفتح الستار عن سيرة عطرة، لنساء كسرن طوق الصّمت… وألهبن الحماس… أسّسن صروحًا… وتركن بصماتهن على أسطوانات الغرام وأركاح المسارح وشاشات السينما”. هكذا قدّم الباحث والمؤرخ الثقافي فاخر الرويسي كتابه الجديد الصّادر منذ أيّام بعنوان: “نجمات تونس في الطّرب والمسرح والسينما (1900-1956)”، الذي يقدّم فيه سيرة ومسيرة ثماني عشرة فنّانة تونسية سطع نجمهن في المسرح والسينما وخاصة الموسيقى.
يؤكد هذا الكتاب على الريادة التونسية في مشاركة المرأة في الحياة العامة وتأثيرها في المجتمع وخاصة مدى حضور المرأة فيه، ولكن من المفارقات التي يكشفها هذا الكتاب حجم المأساة والتراجيديا في حياة عدد من نجمات تونس مثل حبيبة مسيكة (1900-1930) وحسيبة رشدي (1918-2012).
قضى الباحث فاخر الرويسي سنوات طويلة بين الصحف القديمة والوثائق من صور، ومعلقّات، وأفلام، ومسرحيات بين الأرشيف الوطني التونسي ودار الكتب الوطنية ومركز التوثيق القومي، وحتى في أرشيف بعض أصدقائه من الباحثين والمؤرخين، لينسج سيرة ثماني عشرة نجمة تونسية تفاوت دورهن في تاريخ الموسيقى والمسرح والسينما. ومن السير اللافتة في هذا الكتاب سيرة حسيبة رشدي التي كانت أوّل نجمة من المغرب العربي يسطع نجمها في القاهرة في أربعينيات القرن الماضي.
حسيبة رشدي.. من طفولة قاسية إلى نجمة عربية
عاشت حسيبة رشدي (اسمها الحقيقي زهرة) طفولة قاسية، حيث كان والدها يهدّدها بالقتل لمجرد افتتانها بالغناء إلى حدّ فرارها من بيت العائلة إلى بيت خالها الذي زوجها في سن التاسعة من رجل في الستين من عمره، لكنّها نجحت في الفرار إلى مدينة صفاقس في سن الحادية عشرة لتحتضنها جمعية “النجم التمثيلي”، ومن هناك انطلقت رحلتها الكبرى نحو الأضواء والنجومية بين باريس والولايات المتحدة الأمريكية والقاهرة.
ويذكر الرويسي أن المطربة فتحية خيري (1918-1986) احتضنتها وساعدتها على الاستقرار في العاصمة تونس، وهي التي كانت وراء إلحاقها بالمجموعة الموسيقية التي زارت باريس سنة 1936 لتسجيل الأسطوانات مع البشير الرصايصي (1906-1977)، الذي أطلق عليها اسم حسيبة رشدي، وهو الاسم الذي رافقها طيلة مسيرتها. كما تزوجت من الملحن محمد التريكي (1899-1998) الذي كان وراء نجومية مطربات تلك الفترة، والذي تقرّ له حسيبة بالفضل في توجيهها التوجيه السليم، كما أسّس لها تختًا موسيقيًا قاده بنفسه وجمع فيه أمهر العازفين. وكان زواجها الثالث من دبلوماسي أمريكي هو الضابط هاري بلاك الذي استقرت معه في القاهرة، لتبدأ مرحلة جديدة في حياتها بعد أن كانت قد أقامت في مدينة بروكلين الأمريكية.
لمع اسم حسيبة رشدي في السينما أيضًا، ومن أفلامها “حب” سنة 1948، و”طريق الشوك” سنة 1950، و”دماء الصحراء” سنة 1951، شاركها بطولته عماد حمدي، وغيرها.
نجومية وأزمة في القاهرة
لكن شهرة حسيبة رشدي تسبّبت لها في مشاكل في القاهرة، إذ منعتها نقابة الفنانين التي كانت ترأسها أم كلثوم من مواصلة النشاط الفني بسبب قانون ينظم إقامة الأجانب، وكاد هذا القرار أن يحدث أزمة دبلوماسية بين تونس ومصر لولا تدخل الباحث في التراث الشعبي محمد المرزوقي (1916-1981)، الذي توسّط مع نقابة الفنانين في مصر. وبناء على تلك الوساطة، أجرت أم كلثوم لحسيبة رشدي اختبارًا شكليًا حصلت بموجبه على إذن بالعمل في مصر.
يتضمن هذا الكتاب عشرات الوثائق من مقتطفات مقالات صحفية وصور ومعلقات مسرحيات وأفلام من الواضح أن الباحث الرويسي قضى سنوات في جمعها وتصويرها.
توثيق لذاكرة الفن والدور الثقافي والوطني
كتب الكاتب المسرحي عزالدين المدني (1938) في مقدمة الكتاب: “هذا البحث فريد من نوعه لأن الباحث فاخر الرويسي قد انصبت عنايته على إلقاء الضوء الكاشف على مسيرة الفنّانات التونسيات من موسيقيات ومطربات ومغنيات وراقصات وممثلات في الفن المسرحي وفن السينما”.
الكتاب يؤرخ أيضًا لسيرة حبيبة مسيكة التي ماتت في ظروف غامضة، ويرجّح أنّها ماتت محترقة في بيتها بفعل إجرامي. وكذلك فتحية خيري وهايدي شمامة تمزالي (1906-1998) أوّل ممثلة تونسية في السينما، وشافية رشدي (1910-1989)، وفضيلة خيتمي (1905-1992)، ونجمة التلفزيون التونسي زهرة فائزة (1919-1999) وغيرهن.
هذا الكتاب لا يكشف عن أسرار وسير حياة عدد من نجمات تونس فقط، بل يمثّل وثيقة أساسية عن الحياة الثقافية والفنية والاجتماعية في تونس في النصف الأوّل من القرن العشرين. كما نكتشف معه بعض المعلومات التي لم تكن معروفة مثل دعم حسيبة رشدي للحركة الوطنية قبل استقلال تونس سنة 1956 خلال إقامتها في القاهرة، ونقلها وثائق عديدة إلى مكتب المغرب العربي في القاهرة من مناضلي الحزب الدستوري في تونس وباريس؛ وهو دور لم يكن معروفًا عنها.
الكتاب: نجمات تونس في الطّرب والمسرح والسينما (1956-1900)
النوع: كتاب فني فاخر
عدد الصفحات: 427
الناشر: دار تونس نيسان 2026
الثمن: 40 دينار تونسي (13.73 دولار)















