تدخل مالي أخطر مراحل العزل منذ سنوات، بعدما وسّع تنظيم “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبط بتنظيم القاعدة نطاق حصاره من محيط باماكو الداخلي إلى الشرايين الإقليمية الخارجية، عبر استهداف المحور البري الرابط بين العاصمة المالية وشمال أفريقيا، خصوصًا المغرب وموريتانيا.
الهجوم على قافلة شاحنات مغربية وموريتانية كانت متجهة إلى باماكو، ونداءات الاستغاثة التي أطلقها سائقون عالقون عند الحدود المالية ـ الموريتانية، كشفا تحولًا نوعيًا في استراتيجية التنظيم، التي لم تعد تقتصر على قطع الطرق المحلية أو استهداف الجيش المالي، بل باتت تستهدف عزل العاصمة اقتصاديًا ولوجستيًا عن عمقها الإقليمي.
بحسب مصادر ميدانية، فرضت جبهة ماسينا التابعة للتنظيم حظرًا على مرور قوافل الإمداد نحو باماكو، بعدما كان المنع يقتصر سابقًا على صهاريج الوقود، ليتوسع حاليًا إلى مختلف الشاحنات التجارية والحافلات المدنية.
من “الكمين” إلى المراقبة الجوية
الأخطر، أن التنظيم بدأ يعتمد تكتيكًا يظهر للمرة الأولى بهذا الشكل في مالي: مراقبة جوية للمحاور البرية بواسطة طائرات مسيرة، بالتزامن مع نشر خلايا متحركة سريعة لاعتراض أي قافلة تحاول اختراق الحصار.
هذا الأسلوب ينقل الجماعة من نمط “الكمائن المتفرقة” إلى ما يشبه منظومة مراقبة ميدانية مستمرة للطرق، تسمح بتعقب حركة النقل والاستجابة السريعة على امتداد مئات الكيلومترات.
يأتي ذلك بالتزامن مع إحراق أكثر من خمس حافلات على محور بوغوني ـ سيكاسو، أحد أهم شرايين الإمداد الجنوبية لباماكو، إضافة إلى تزايد الهجمات على الطرق المؤدية إلى غينيا، التي تمثل آخر منفذ بري حيوي للعاصمة نحو الخارج.
بهذا، يبدو أن التنظيم يحاول فرض طوق متعدد الجهات حول باماكو: من الغرب عبر المحور الموريتاني ـ المغربي، ومن الجنوب عبر سيكاسو وغينيا، ومن الوسط عبر مناطق نفوذ جبهة ماسينا.
“فخ التصعيد” وتحذير الانهيار
هذا التطور يتقاطع مع تحذير أطلقته مجموعة الأزمات الدولية من أن مالي تقترب من “فخ تصعيد عسكري” قد يحول البلاد إلى ساحة حرب مفتوحة متعددة الجبهات.
ورأت المنظمة أن انهيار اتفاق الجزائر مع الحركات الأزوادية، وتوسع المواجهات شمالًا، وتمدد الجماعات المرتبطة بالقاعدة نحو الوسط ومحيط باماكو، كلها مؤشرات على دخول الأزمة مرحلة أكثر تعقيدًا.
كما حذرت من أن الاعتماد الكامل على المقاربة العسكرية والضربات الجوية والطائرات المسيّرة، رغم ما تحققه من مكاسب تكتيكية، يؤدي في المقابل إلى سقوط ضحايا مدنيين وتفاقم الغضب المحلي، ما يمنح الجماعات المسلحة بيئة أفضل للتجنيد والتوسع.
الخصوم في سلة واحدة
وقالت المجموعة إن “خلط الخصوم جميعا في سلة واحدة” بين الحركات الأزوادية والجماعات الجهادية والمعارضات المحلية يغلق أبواب الحل السياسي، ويدفع نحو مزيد من الاستنزاف والعزلة، محذرة من أن استمرار هذا المسار قد يحول الساحل إلى “حرب طويلة منخفضة الحدة لكنها شديدة التآكل للدولة”.
في المقابل، تتحدث تقارير عن استعدادات روسية ومالية واسعة لإطلاق عمليات جديدة شمال البلاد نحو غاو وكيدال، عبر حشد طائرات “ميغ” ومروحيات ومسيّرات إلى جانب قوات برية من احتياطي الجيش المالي.
لكن مراقبين يرون أن المعركة تجاوزت السيطرة على المدن والثكنات، لتتحول إلى حرب على الشرايين الاقتصادية والطرق العابرة للحدود، حيث بات من يسيطر على خطوط الإمداد يمتلك القدرة على خنق الدولة تدريجيا دون الحاجة إلى دخول العاصمة نفسها.















