بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

كوبا أمام تحدي البقاء أو الانهيار الوشيك.. بين خناق العقوبات الثانوية وأزمة الطاقة الشاملة

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تدخل كوبا في سيناريو جيوسياسي بالغ التعقيد، وسط تصاعد متسارع في أدوات الضغط الاقتصادي والتكنولوجي، يتزامن مع فرض حزمة جديدة من العقوبات الأمريكية التي تستهدف جيشها، ومجموعة الأعمال “جايسا”، إلى جانب شخصيات بارزة في القيادة الشيوعية. وذلك ضمن تصعيد مباشر يهدف إلى توسيع نطاق العزلة المالية والتجارية، وإعادة تشكيل شبكات النفوذ الاقتصادي داخل البلاد.

تهدف هذه الخطوات إلى حرمان القيادة العسكرية والنخبة الاقتصادية الكوبية من الوصول إلى الأصول والموارد الحيوية، بما يعزز من تقييد قدرتها على الحركة داخل النظام المالي الدولي. كما شملت العقوبات الرئيسة التنفيذية لمجموعة “جايسا” آنيا جييرمينا لاستريس موريرا، إضافة إلى شركة “إم إن إس إيه” للنيكل، وهي مشروع مشترك بين الدولة الكوبية وشركة تعدين كندية، وسط اتهامات باستغلال الموارد الطبيعية لصالح دوائر السلطة.

تمثل مجموعة “جايسا” مركز ثقل اقتصادي داخل كوبا، إذ تُقدَّر سيطرتها بنحو 40% من الاقتصاد الكوبي، بما يشمل قطاعات استراتيجية مثل السياحة والخدمات المالية وتجارة التجزئة والموانئ والواردات، ما يجعل استهدافها خطوة ذات تأثير مباشر على بنية الاقتصاد الوطني، وليس مجرد إجراء محدود النطاق.

سياسة “الخنق البطيء”

تتقدم العقوبات الثانوية والحصار المالي كأدوات مركزية في سياسة “الخنق البطيء”، حيث لا تقتصر على استهداف مباشر للكيانات المحلية، بل تمتد إلى محاصرة الأطراف الاقتصادية الدولية المرتبطة بها. ويؤدي هذا النمط إلى خلق شبكة معقدة من المخاطر القانونية والمالية، تجعل أي تعامل مع المؤسسات الكوبية قراراً عالي الكلفة بالنسبة للشركات والبنوك العالمية، ما يُفضي إلى تقلص تدريجي في تدفقات التجارة والاستثمار.

بهذا الشكل، تتسع دائرة التأثير لتشمل الاقتصاد الكوبي بكامل بنيته، من القطاعات الإنتاجية إلى الخدمات والتمويل، حيث يصبح الوصول إلى الأسواق العالمية والتكنولوجيا والتمويل الخارجي أكثر صعوبة، في ظل نظام امتثال دولي صارم يحدّ من خيارات الشركاء التجاريين.

أزمة الطاقة تحت ضغط متصاعد

بالتوازي مع هذه التطورات، تتفاقم أزمة الطاقة داخل كوبا لتتحول من مشكلة تشغيلية إلى أزمة بنيوية تمس جوهر الدولة الحديثة. شبكات التوليد القديمة، المعتمدة على الوقود المستورد والبنية التحتية المتقادمة، باتت غير قادرة على تلبية الطلب المتزايد، خصوصاً في ظل صعوبات متزايدة في تأمين الإمدادات أو تحديث البنية التحتية نتيجة القيود المالية.

ومع تراجع الاستثمارات الخارجية وارتفاع تكلفة الاستيراد، تدخل منظومة الطاقة في حالة إنهاك مزمن، أصبحت خلالها الانقطاعات الكهربائية جزءاً من الحياة اليومية. وينعكس ذلك مباشرة على المستشفيات ومحطات المياه ووسائل النقل وأنظمة الاتصالات، ما يؤدي إلى شلل تدريجي في قطاعات حيوية.

ومع استمرار التقنين القاسي للكهرباء، تتوسع آثار الأزمة إلى المجال الاجتماعي، حيث يواجه السكان واقعاً يومياً من الانقطاع المتكرر، ما يزيد من الضغط المعيشي ويعمق الشعور بعدم الاستقرار، لتصبح الخدمات الأساسية معياراً عملياً لقياس كفاءة الدولة وقدرتها على الاستمرار.

موازين القوى والضغط متعدد الأبعاد

على المستوى الجيوسياسي، يتجسد هذا المشهد في نمط من الضغط غير المباشر القائم على أدوات اقتصادية ومالية وأمنية متداخلة، من دون اللجوء إلى مواجهة عسكرية مباشرة. ويشمل ذلك تشديد الرقابة على الشحن البحري، وتوسيع نطاق القيود المالية، وتعزيز بيئة الردع الاقتصادي في محيط الكاريبي، ما يرفع كلفة أي محاولة لكسر العزلة المفروضة.

في المقابل، تواجه كوبا تراجعاً في أدوات نفوذها الخارجي، بما في ذلك بعض أشكال القوة الناعمة، ما يحدّ من قدرتها على بناء تحالفات اقتصادية أو دبلوماسية قادرة على تخفيف أثر الضغوط. ومع تضييق قنوات التبادل الدولي، يتقلص هامش المناورة بشكل تدريجي.

سيناريوهات التطور

في ظل استمرار هذا المسار، تبرز احتمالات عدة متداخلة. يتمثل الأول في استمرار التآكل التدريجي في البنية الاقتصادية، مع تراجع قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية بشكل مستقر، ما قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية متقطعة.

ويقوم الاحتمال الثاني على محاولة إعادة توجيه العلاقات الاقتصادية نحو شركاء دوليين بديلين، إلا أن هذا الخيار يبقى محدود الفاعلية في ظل تشابك النظام المالي العالمي وصعوبة الالتفاف على منظومة العقوبات.

أما الاحتمال الثالث، فيتمثل بتصاعد عمليات الهجرة، حيث يتحول خروج السكان إلى عامل ضغط إضافي يؤثر على التوازنات الداخلية ويضيف بعداً إقليمياً للأزمة، مع انعكاسات اقتصادية وديموغرافية متزايدة.

السيادة بين الاستنزاف وإعادة التشكيل

في ظل هذا التصعيد المتداخل، تتجه كوبا نحو مرحلة تتداخل فيها القيود الاقتصادية مع الضغوط السياسية والمالية بشكل غير مسبوق، حيث تتحول العقوبات إلى عنصر بنيوي مؤثر في إعادة تشكيل الاقتصاد وعلاقاته الخارجية. ومع تفاقم أزمة الطاقة وتوسع نطاق القيود، يزداد الضغط على القطاعات الحيوية، ما يعمق حالة الاختلال داخل المنظومة الاقتصادية والاجتماعية، ويفتح الباب أمام مرحلة طويلة من إعادة التوازن القسري داخل الدولة.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح “الإظلام” الاقتصادي والسياسي أكثر تأثيراً من أي صراع تقليدي، لأنه لا يستهدف لحظة الانهيار، بل يراهن على استنزاف طويل الأمد يعيد تشكيل الدولة من الداخل، ويحول مفهوم السيادة ذاته إلى اختبار مفتوح في عالم تتداخل فيه القوة مع الاقتصاد بشكل عضوي لا يمكن فصله بسهولة.