بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إيران: الإرهاب أداة نفوذ استراتيجية (3-3)

شبكات النفوذ خارج الحدود: كيف تحوّل النشاط الإيراني الخارجي إلى منظومة ضغط متعددة الأذرع عبر القارات

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يتحوّل الإرهاب الإيراني عبر القارات إلى منظومة ضغط عابرة للحدود، تُدار بأدوات دولة لا بارتجال جماعات، وتُستخدم فيها الدبلوماسية والمال والشبكات السرية كأذرع تنفيذ متكاملة ضمن مشروع ممتد منذ العام 1979، هدفه إعادة تشكيل ميزان القوى الدولي خارج منطق الدولة التقليدية.

يُظهر تتبّع النشاط الإيراني خارج الإقليم أن العنف لم يكن حالة طارئة أو رد فعل ظرفي، بل جزءاً من بنية قرار ممنهجة استخدمت الاغتيال السياسي كأداة مستمرة. فقد وثّقت تقارير قضائية وأمنية في أكثر من أربعين دولة ما يزيد على 360 عملية اغتيال أو محاولة اغتيال منذ 1979، استهدفت بالدرجة الأولى معارضين سياسيين للنظام الإيراني وشخصيات تصنّفها طهران كتهديد مباشر لشرعيتها الداخلية.

اللافت في هذا النمط، أن جزءاً كبيراً من هذه العمليات لم يُنفّذ عبر خلايا سرية فقط، بل عبر واجهات رسمية كالبعثات الدبلوماسية، التي استُخدمت كغطاء لنقل المتفجرات وتنسيق العمليات وتوفير الحماية اللوجستية. هذا التداخل بين العمل الدبلوماسي والأمني حوّل بعض السفارات إلى نقاط تشغيل استخباراتي، وأعاد تعريف مفهوم الحصانة الدبلوماسية في عدد من الدول الأوروبية والغربية.

أوروبا: ساحة الاختبار الأمني المبكر

شهدت أوروبا سلسلة من العمليات التي شكّلت منعطفاً في إدراك حجم التهديد. ففي العام 1992، هزّ تفجير مطعم ميكونوس في برلين المشهد السياسي الأوروبي بعد اغتيال معارضين أكراد إيرانيين، وهي القضية التي انتهت بإصدار القضاء الألماني مذكرات توقيف بحق مسؤولين كبار في أجهزة الاستخبارات الإيرانية، ما أدخل العلاقات الأوروبية الإيرانية في أزمة عميقة.

وفي العام 2018، كشفت أجهزة الأمن الأوروبية عن محاولة تفجير استهدفت اجتماعاً للمعارضة الإيرانية في باريس، حيث تم توقيف دبلوماسي إيراني أثناء نقله مواد متفجرة، ما أثار صدمة سياسية داخل الاتحاد الأوروبي. كما أحبطت الدنمارك مخططاً منفصلاً لاغتيال معارض على أراضيها، وهو ما دفع عدة دول أوروبية إلى تبنّي سياسة أكثر تشدداً تجاه النشاط الإيراني ضمن حدودها.

هذه الأحداث لم تُقرأ كحوادث منفصلة، بل كجزء من نمط ثابت يقوم على تصدير الصراع الداخلي الإيراني إلى الخارج، وتحويل أوروبا إلى ساحة تصفية حسابات سياسية.

الأمريكيتان: من التمويل إلى التفجير المنظّم

في الأمريكيتين، لم يكن التغلغل الإيراني وليد لحظة أمنية، بل نتيجة بناء طويل الأمد لشبكات مالية ولوجستية بدأت منذ أوائل الثمانينيات. فقد أنشأ حزب الله، بدعم مباشر أو غير مباشر من إيران، شبكات تمويل واسعة في منطقة المثلث الحدودي بين البرازيل والأرجنتين وباراغواي، تحولت لاحقاً إلى أحد أهم مراكز التمويل خارج الشرق الأوسط.

لكن الحدث الأكثر خطورة كان تفجير مركز “آميا” في بوينس آيرس في العام 1994، الذي أودى بحياة 85 شخصاً وأصاب المئات، في واحدة من أكبر الهجمات الإرهابية في تاريخ أمريكا اللاتينية. وقد حمّل حكم قضائي أرجنتيني صدر في العام 2024 إيران المسؤولية عن اتخاذ قرار التنفيذ، الذي تم عبر عناصر تابعين لـ”حزب الله” اللبناني.

قبل ذلك بعامين، وقع حادث تفجير السفارة الإسرائيلية في الأرجنتين، والذي أسفر عن مقتل 29 شخصاً، ما عزّز القناعة بأن القارة لم تكن خارج دائرة الاستهداف، بل جزءاً من استراتيجية ممتدة تتجاوز الجغرافيا الإقليمية التقليدية.

آسيا وإفريقيا: التمدد الصامت للشبكات

في آسيا وإفريقيا، اتخذت الأنشطة الإيرانية طابعاً أقل صخباً وأكثر تشعباً؛ فقد أحبطت أجهزة الأمن في نيجيريا وكينيا وتايلاند بين العامين 2011 و2013 ما لا يقل عن 30 مخططاً مرتبطاً بشبكات إيرانية أو تابعة لحزب الله، استهدفت دبلوماسيين ومنشآت حيوية ومصالح غربية.

هذا النمط من العمليات يعكس استراتيجية تقوم على “التوزيع الجغرافي للضغط”، بحيث لا يتركز التهديد في منطقة واحدة، بل يمتد عبر قارات متعددة؛ ما يجعل احتوائه أمنياً أكثر تعقيداً. كما يكشف قدرة هذه الشبكات على التكيف مع بيئات مختلفة، مستفيدة من الثغرات المؤسسية والاقتصادية في بعض الدول.

من العنف العابر إلى معادلة الردع

تُظهر هذه الوقائع أن ما يُعرف بالنشاط الإيراني خارج الحدود ليس سلسلة أحداث منفصلة، بل منظومة متكاملة تُدار وفق رؤية استراتيجية طويلة الأمد. العنف، في هذا السياق، ليس غاية بحد ذاته، بل أداة ضمن سياسة دولة تستخدم مزيجاً من العمل السري والدبلوماسي والاقتصادي لتحقيق أهداف سياسية تتجاوز حدودها الجغرافية.

منذ 1979 وحتى 2026، ظل الهدف الأساسي ثابتاً: توسيع النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوى خارج إطار الدولة الوطنية التقليدية. غير أن التطورات الأخيرة، خصوصاً تصاعد المواجهات الإقليمية والدولية، أدت إلى كشف هذه البنية أمام العالم بشكل استثنائي، ما جعلها أكثر كلفة سياسياً وأمنياً من أي وقت مضى.

هنا يبرز سؤال المرحلة: هل يقود هذا الانكشاف إلى إعادة ضبط قواعد الاشتباك وبناء منظومة ردع دولية فعالة، أم أن العالم مقبل على مرحلة جديدة من الصراع العابر للقارات، تتداخل فيه الحدود بين الأمنين الإقليمي والعالمي؟