أكدت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الشرق الأوسط لا يزال يشكل ساحة مركزية للتهديدات الإرهابية والمخاطر الأمنية، رغم تراجع اعتماد واشنطن على المنطقة في ملف الطاقة، مشيرة إلى استمرار التحديات المرتبطة بالملاحة الدولية والنفوذ الإيراني والجماعات الجهادية العابرة للحدود.
في إطار استراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب لعام 2026، تسعى واشنطن إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك العسكري والاستخباراتي في المنطقة، عبر توسيع نطاق المواجهة ليشمل إيران ووكلاءها، والتنظيمات الجهادية، إلى جانب جماعة “الإخوان المسلمين” التي تصفها الإدارة، للمرة الأولى منذ إصدار هذه الوثيقة عام 2001، بأنها “الجذر الفكري للإرهاب الإسلامي الحديث”.
كما تقوم هذه المقاربة على مزيج من تشديد الضربات الاستباقية، وتوسيع أدوات الردع، وإعادة توزيع الصلاحيات العسكرية بما يتيح سرعة أكبر في استهداف الجماعات المسلحة، في وقت تؤكد واشنطن أن أولوياتها باتت تركز على منع تحول المنطقة إلى منصة لانطلاق التهديدات نحو الداخل الأمريكي وحلفاءها، مع الحفاظ على أمن الطاقة وحرية الملاحة في الممرات الاستراتيجية مثل مضيق “هُرمز” والبحر الأحمر.
العودة إلى قواعد الاشتباك الصارمة
في تحول واضح عن سياسات إدارة جو بايدن، أعلن ترامب بعد ثمانية أيام من بدء ولايته الثانية إعادة العمل بقواعد الاشتباك التي اعتمدها خلال ولايته الأولى، التي تمنح قادة العمليات العسكرية صلاحيات أوسع لتنفيذ ضربات ضد أهداف إرهابية، دون الحاجة إلى موافقات معقدة من البيت الأبيض.
بحسب الوثيقة، أسفرت هذه السياسة عن تنفيذ أول ضربة ناجحة ضد قيادي بارز في تنظيم “داعش” بعد ثلاثة أيام فقط من صدور التوجيهات الجديدة. وتقول الإدارة الأمريكية إن العمليات اللاحقة أدت إلى “تحييد مئات الإرهابيين” في عدة دول، مع التركيز على أخطر الجماعات القادرة على تنفيذ هجمات خارجية ضد الولايات المتحدة.
وترتكز الاستراتيجية الجديدة على تكثيف الضربات العسكرية والاستخباراتية، حتى يتم تدمير تلك الجماعات أو نقل مهمة احتوائها إلى حلفاء إقليميين.
إيران في صدارة التهديدات وأمن الملاحة البحرية خط أحمر
تضع واشنطن إيران في قلب التهديدات القادمة من الشرق الأوسط، معتبرة أن الخطر لا يقتصر على برنامجها النووي والصاروخي، بل يمتد إلى دعمها المالي والعسكري لجماعات مسلحة في المنطقة، وعلى رأسها “حزب الله”.
وتشير الوثيقة إلى أن إدارة ترامب ستواصل “الإجراءات الحاسمة” ضد طهران، مستشهدة باغتيال قاسم سليماني خلال الولاية الأولى لترامب، إضافة إلى عمليتي “مطرقة منتصف الليل” و”الغضب الملحمي” اللتين استهدفتا القدرات النووية والعسكرية الإيرانية. كما تؤكد الإدارة الأمريكية أنها ستواصل استخدام الأدوات العسكرية والاستخباراتية والإلكترونية ضد الجماعات المدعومة من إيران، وضد أي عناصر تتهمها بالتخطيط لهجمات ضد الأمريكيين أو حلفاء واشنطن.
تولي الاستراتيجية الأمريكية أهمية خاصة لأمن الممرات البحرية الدولية، معتبرة أن تعطيل الملاحة في مضيق “هُرمز” أو البحر الأحمر يشكل تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي والمصالح الأمريكية. في هذا السياق، حذرت واشنطن من أنها مستعدة لاتخاذ “إجراءات عسكرية حاسمة” ضد جماعة الحوثيين إذا تعرضت السفن الأمريكية أو خطوط الملاحة الدولية للخطر.
يعكس هذا التوجه استمرار التركيز الأمريكي على حماية سلاسل التجارة والطاقة العالمية، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.
“الإخوان المسلمون” في قلب المواجهة الفكرية
واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل في الاستراتيجية الجديدة، تمثلت في الربط المباشر بين جماعة “الإخوان المسلمين” والتنظيمات الجهادية الحديثة.
ترى إدارة ترامب أن الجماعة تمثل “الأصل الفكري” لتنظيمات مثل “القاعدة” و”داعش” و”حماس”، متهمة إياها بالترويج لفكرة “الخلافة الإسلامية” وتوفير البيئة الإيديولوجية للعنف المتطرف.
وفي خطوة وصفتها الوثيقة بـ”التاريخية”، أصدر ترامب أمراً تنفيذياً يصنف الفروع المصرية والأردنية واللبنانية للجماعة كمنظمات إرهابية أجنبية، مع تعهد بتوسيع التصنيف ليشمل فروعاً أخرى في الشرق الأوسط وخارجه.
إن هذا التوجه قد يفتح مرحلة جديدة من التوتر السياسي والدبلوماسي مع دول وحركات ترتبط بعلاقات مباشرة أو غير مباشرة مع الجماعة.
تراجع الاعتماد النفطي.. واستمرار المصالح الاستراتيجية
تشير الوثيقة الأمريكية إلى أن زيادة الإنتاج المحلي للطاقة خففت من اعتماد الولايات المتحدة على نفط الخليج، إلا أن واشنطن لا تزال ترى أن أمن الشرق الأوسط جزء أساسي من مصالحها القومية.
تؤكد الاستراتيجية أن الولايات المتحدة ستواصل العمل لضمان عدم وقوع إمدادات الطاقة في الخليج تحت سيطرة “جهات معادية”، والحفاظ على حرية الملاحة في مضيق “هُرمز” والبحر الأحمر، ومنع تحول المنطقة إلى قاعدة انطلاق للعمليات الإرهابية. كما تشدد الوثيقة على ضرورة أن تبقى أهداف مكافحة الإرهاب “واقعية ومحددة”، بعيداً عن الانخراط في حروب مفتوحة طويلة الأمد.
سياسة تقوم على “الردع الشامل”
تعكس الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تحولاً نحو سياسة ردع أكثر شمولاً، تربط بين مكافحة الإرهاب والصراع مع إيران وأمن الطاقة والملاحة البحرية والصراع الإيديولوجي مع تيارات الإسلام السياسي.
كما تشير إلى رغبة إدارة ترامب في تقليص الاعتماد على الحروب الطويلة، مقابل توسيع استخدام العمليات السريعة والضربات الدقيقة والعمل الاستخباراتي والتنسيق مع الحلفاء الإقليميين.
تكشف الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط عن عودة واضحة إلى نهج القوة والردع المباشر، مع تصعيد غير مسبوق تجاه إيران ووكلائها، وتوسيع دائرة المواجهة لتشمل جماعات الإسلام السياسي والتنظيمات الجهادية في آن واحد.
وبينما ترى إدارة ترامب أن هذه المقاربة ضرورية لمنع عودة التهديدات الإرهابية وحماية المصالح الأمريكية، يعتقد منتقدون أن توسيع تعريف الإرهاب وربطه بتيارات سياسية ودينية قد يزيد من حدة الاستقطاب الإقليمي، ويفتح الباب أمام موجة جديدة من التوترات في الشرق الأوسط.















