الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

مقالات مشابهة

سيرة نضالية

وثائقي “مذكراتي الأخيرة” يفتح جراح الذاكرة مُجددًا.. لويزة أحريز تعود كصوت أخلاقي يرفض أن يخفت

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

في عرضه الأول ضمن فعاليات مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، الذي تختتم الجمعة بمدينة عنابة شرق الجزائر، لم يُقدّم الوثائقي “مذكراتي الأخيرة” مُجرد سيرة نضالية لمجاهدة من جيل الثورة، بل أعاد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين الجزائر وفرنسا: ملف الذاكرة، وبداخله ملف التَّعذيب، بوصفه جرحًا لم يندمل بعد. هكذا بدا الفيلم، أقرب إلى تحقيق سينمائي في التاريخ، منه إلى عمل توثيقي تقليدي.

منذ مشاهده الأولى، يضع وثائقي “مذكراتي الأخيرة” لمخرجه محمد والي، المتلقي أمام سؤال مركزي: كيف يمكن لذاكرة فردية أن تتحول إلى قضية سياسية عابرة للأجيال؟ للإجابة، يعود الفيلم إلى سيرة لويزة إيغيل أحريز، لا باعتبارها بطلة فقط، بل شاهدة تحمل في جسدها وأرشيفها الشخصي ما يشبه ” الدليل الحي” على ممارسات التعذيب التي طبعت مرحلة من تاريخ الاستعمار الفرنسي في الجزائر.

من “المسألة” إلى الشاشة

غير أن قوة الفيلم لا تكمن فقط في استعادة هذه الشهادة، بل في ربطها بسياق تاريخي أوسع، يبدأ مبكرًا مع صدور كتاب ” المسألة” ( La Question ) للصحفي والمناضل الفرنسي الجزائري “هنري علاق” عام 1958. هذا الكتاب، الذي كُتب من داخل تجربة الاعتقال والتعذيب، يُعدّ من أوائل النصوص التي كشفت بشكل صريح ومنهجي الأساليب التي استخدمها المظليون الفرنسيون خلال حرب التحرير، من التعذيب الكهربائي إلى الإيهام بالغرق، في توصيف مباشر صادر من موقع الضحية.

أهمية كتاب “المسألة”  لا تنبع فقط من محتواه، بل من سياق استقباله أيضًا. فقد تعرّض الكتاب للرقابة والمنع في فرنسا فور صدوره، في محاولة لاحتواء أثره السياسي والأخلاقي. لكن هذا المنع، للمفارقة، ساهم في انتشاره وتحويله إلى وثيقة مرجعية عالمية، وضعت الدولة الفرنسية آنذاك أمام أول مساءلة علنية بشأن ممارسات جيشها في الجزائر. منذ تلك اللحظة، لم يعد التعذيب مجرد “شائعات حربٍ”، بل أصبح ملفًا موثقًا يصعب تجاهله.

من النص إلى الجسد

بعد عقود، ستأتي شهادة لويزة إيغيل أحريز لتعيد تفجير هذا الملف من جديد، ولكن من زاوية أكثر حساسية: زاوية الجسد الأنثوي. ففي حوارها الشهير مع جريدة لوموند سنة 2000، كشفت تفاصيل تعرضها للتعذيب والاغتصاب داخل مراكز الاعتقال الفرنسية. لم تكن تلك الشهادة مجرد اعتراف متأخر، بل لحظة إعلامية مفصلية أعادت وضع مسألة التعذيب في قلب النقاش العام داخل فرنسا وخارجها.

هنا يتقاطع الوثائقي مع التاريخ، ويشتغل على هذا الامتداد الزمني: من “المسألة” كنص مؤسس لكشف التعذيب، إلى شهادة لويزة كامتداد حي له. الفارق أن ما كان مكتوبًا في الخمسينيات، أصبح مجسّدًا بالصوت والصورة في القرن الحادي والعشرين. بهذا المعنى، لا يكتفي الفيلم بإعادة سرد الوقائع، بل يعيد تفعيلها، ويمنحها راهنية جديدة.

السينما كوسيط في معركة الذاكرة

السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو: لماذا ما يزال هذا الملف مفتوحًا؟ الإجابة التي يقترحها الفيلم، ضمنيًا، تكمن في غياب اعتراف فرنسي صريح وشامل بهذه الجرائم. فرغم بعض الإشارات السياسية المتفرقة خلال السنوات الأخيرة، لم يصل الأمر إلى مستوى الاعتذار الرسمي أو الإقرار الكامل بالطابع الممنهج للتعذيب.

في هذا الفراغ، تظل شهادة لويزة إيغيل أحريز عنصر إزعاج حقيقي. ليس لأنها تفضح الماضي فقط، بل لأنها تضع الحاضر في موضع مساءلة. فالشهادة، كما يقدّمها الفيلم، لا تسعى إلى إثارة التعاطف بقدر ما تفرض سؤال العدالة: ماذا نفعل بهذه الحقيقة اليوم؟

من هنا، يكتسب العمل بعدًا يتجاوز التوثيق إلى المساءلة الأخلاقية. فحين تستعيد لويزة تفاصيل ما تعرضت له، بلغة مباشرة وخالية من التزييف، فإنها لا تكتب مذكراتها بقدر ما تقدّم شهادة أمام التاريخ. شهادة ترفض أن تُطوى، أو أن تُختزل في أرشيف.

اللافت أيضًا أن الفيلم يعيد الاعتبار لدور السينما كوسيط في معركة الذاكرة. فإذا كان كتاب” المسألة ” قد فجّر الصمت في الخمسينيات، فإن الصورة اليوم تقوم بالدور ذاته، ولكن بأدوات أكثر تأثيرًا. السينما هنا لا تنقل فقط، بل تعيد بناء الذاكرة، وتضعها في متناول أجيال لم تعش تلك المرحلة.

سجال تاريخي مفتوح

ضمن سياق النقاش الفكري الذي رافق عرض الوثائقي “مذكراتي الأخيرة” حضر المؤرخ الفرنسي بنجامين سطورا بوصفه أحد أبرز المختصين في ملف الذاكرة بين الجزائر وفرنسا. وقد جاء حضوره في إطار قراءة أوسع لمكانة الفيلم داخل السجال التاريخي المفتوح حول حرب التحرير، وما يتفرع عنه من ملفات شائكة، في مقدمتها مسألة التعذيب والانتهاكات الاستعمارية. في هذا السياق، لم يُقدَّم الفيلم كعمل سينمائي معزول، بل كجزء من حقل بحثي-تاريخي متجدد، ما يزال يثير أسئلة حساسة حول الأرشيف، والاعتراف، وحدود السرديات الرسمية، خاصة في ظل استمرار الجدل حول سبل مقاربة الماضي الاستعماري بين البلدين

يمكن قراءة “مذكراتي الأخيرة” كحلقة ضمن سلسلة طويلة من محاولات كسر الصمت: من الكتابة إلى الصحافة، وصولًا إلى الصورة. وكل حلقة من هذه الحلقات تطرح السؤال نفسه بصيغة مختلفة: هل يمكن للتاريخ أن يُغلق دون اعتراف؟ الإجابة، كما يوحي الفيلم، تميل إلى النفي. فالتاريخ الذي لا يُواجه، يستمر في العودة. وربما لهذا السبب تحديدًا، تبدو لويزة إيغيل أحريز، وهي في عقدها التاسع، أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ليس فقط كشخصية تاريخية، بل كصوت أخلاقي يرفض أن يخفت.

في نهاية المطاف، لا يقدّم الوثائقي أجوبةً جاهزةً، بل يترك المشاهد أمام مسؤولية التفكير. مسؤولية التعامل مع الذاكرة، لا باعتبارها ماضيًا منتهيًا، بل كقضية مستمرة. وفي هذا تكمن قوة العمل: في قدرته على تحويل فيلم إلى مساحة نقاش، وشهادة فردية إلى سؤال جماعي.

هكذا، ينجح “مذكراتي الأخيرة” في إعادة طرح ملف التعذيب، ليس كواقعة تاريخية فقط، بل كاختبار مستمر للعلاقة بين الحقيقة والعدالة. وبين الجزائر وفرنسا، يبقى هذا الاختبار مفتوحًا، إلى أن يُقال ما لم يُقل بعد

لويزة أحريز تُحرجُ جلَّادَها

يقول مخرج الفيلم محمد والي: “نعم، ما تزال لويزة إيغيل أحريز تُحرج ما يُعرف بـ“فرنسا العميقة”. فطالما لم يصدر اعتراف صريح واعتذار رسمي عن جرائم الاستعمار، تبقى شهادتها حاضرة بثقلها الأخلاقي والتاريخي. لويزة، وهي اليوم في عقدها التاسع، لم يتوقف نضالها عند استقلال الجزائر سنة 1962، بل اتخذ مسارًا آخر: مسار كشف الحقيقة والمطالبة بالعدالة”. 

وأضاف والي قائلًا: “سعيُها لمحاسبة من تورّطوا في تعذيبها الشهادة التي قدّمتها في الفيلم الوثائقي قاسية، مباشرة، وخالية من أي تزييف. هي شهادة امرأة برّأت ذمّتها أمام التاريخ، وتركت ما تعرّضت له كملف مفتوح في وجه الأجيال، لا يسقط بالتقادم ولا يُطوى بالصمت. لذلك، تبقى لويزة، بصوتها وذاكرتها، عنصر إزعاج حقيقي لسردية لم تكتمل مواجهتها بعد. 

جيل المجاهدين الجُدُد

في لحظةٍ مؤثرةٍ خلال نهاية عرض الفيلم الوثائقي “مذكراتي الأخيرة”، اعتلت المجاهدة لويزة إيغيل أحريز المنصة، لتخاطب الحضور بكلمات حملت بعدًا رمزيًا يتجاوز الشهادة الشخصية إلى خطاب موجّه نحو المستقبل، قائلة: “أنتم الضياء الذي ينير سماء الجزائر اليوم، وبأيديكم أمانة الحفاظ عليها. إن كل ما كابدته من آلام وصعاب في زنازين الاستعمار ليس كثيرًا في حق وطننا؛ فالجزائر تستحق كل تضحية. نحن جيلٌ أدى أمانة التحرير واستعاد الاستقلال، والآن جاء دوركم لتكونوا حائط الصد الذي يمنع عودة الاستعمار بأي شكل كان”.

وفي امتداد لخطابها، وجّهت لويزة رسالة مباشرة إلى الفاعلين في الحقل الثقافي والإعلامي: “أنتم اليوم ـــــ من كُتّاب وسيناريست ومصورين ـ– تمثلون جيل المجاهدين الثاني، إن عملكم في توثيق الحقيقة وحماية الذاكرة هو الامتداد الطبيعي لنهج الثورة، فاستمروا في نضالكم بالكلمة والصورة”.