رواية “مَانِيدُو، قصَُّة حُب جليدية” لتيسير خلف ليست مُجرد حكاية تدور رَحاها في أقاصى الشمال الكندي، بل هي نصٌّ يغوص في هشاشة الإنسان وهو يواجه ذاته في أكثر اللحظات قسوة وعريًا. البرد هنا ليس مجرد طقس عابر، بل استعارة كبرى: للذاكرة، للفقد، وللحب الذي يأتي مُتأخرًا أو لا يأتي إلا بعد أن يُصبح الخلاص مستعصيًا.
في عمله الجديد الصادر عن منشورات المتوسط (ميلانو)، يواصل تيسير خلف مشروعه السَّردي الذي يقف عند منطقة التماس بين التاريخ والأسطورة، بين الوثيقة والتخييل. غير أنّه، في “مَانِيدُو“، يمضي أبعد من ذلك، نحو كتابة مُكثفة، تضغط الزمن إلى خمس ساعات فقط، لكنها تفتح في المقابل هوّة زمنية ونفسية تمتد إلى ما قبل التاريخ، وإلى أعماق النفس الإنسانية.
بطل الرواية، عالم الآثار يونس ناجي ليس مجرد شخصيةً روائيةً، بل هو حامل أسئلة. يخرج للبحث عن قبر منسي، فإذا به يسقط في وهدة جليدية، ويغوص جسده تدريجيًا في بياض لا نهاية له. من هذه اللحظة، يبدأ النص الحقيقي: المحور المركزي للرواية ليس ما يحدث خارجيًا، بل ما يتفكك في الداخل. الزمن هنا يتكثف، يتشظى، ويتحول إلى مرآة للذاكرة، حيث تختلط الأمكنة والأزمنة: من القنيطرة إلى ثندرباي، ومن الطفولة إلى الحافة الأخيرة.
تفكيك الرّحلة: من الجغرافيا إلى الهوية
ما يفعله تيسير خلف في هذه الرواية تفكيك لفكرة الرحلة. رحلة لا تمتدّ في الجغرافيا فقط، بل في الهوية أيضًا. بين أسطورة الطوفان لدى شعوب الأوجيبوي، وقبور الدولمن الغامضة، يتشكّل فضاء روائي لا يعترف بالحدود. الأسطورة هنا ليست زينة سردية، بل هي جزء من البنية العميقة للنص، وتؤدي وظيفة تفسيرية لما لا يُمكن للعقل وحده أن يستوعبه.
في قلب هذا البياض القاتل، تظهر “لين”. امرأة أربعينية، واثقة من نفسها، لكنها بالنسبة الى يونس لا يمكن أن تكون خلاصًا بأيّ حال. حضورها في الرواية ليس رومانسيًا بالمعنى التقليدي، بل إشكالي، لا يفتح باب الحميمية إلا بقدر ما يفسح المجال للشك. العلاقة بين يونس ولين لا تُبنى على الوعد، بل على الانكشاف. كأن الحب هنا ليس ملاذًا، بل تجربة اختبار، أو ربما لحظة مواجهة أخيرة قبل الذوبان الكامل في العدم.
لُغة تٌورّط القارئ لا تُقنعه
اللافت في الرواية أيضا أن السرد لا يسعى إلى إقناع القارئ، بل إلى توريطه. اللغة شاعرية، لكنها ليست مُتعالية. بسيطة في ظاهرها، عميقة في طبقاتها، تشتغل على الإيحاء أكثر مما تشتغل على الحدث. تيسير خلف لا يكتب حكاية بقدر ما يعبّر عن حالة إنسانية مُعلّقة بين الحياة والموت، الذاكرة والنسيان، الوجود والعدم.
في أحد المقاطع، تتكثف هذه الرؤية: الثلج لا يعود مُجرد بياض، بل يتحول إلى فضاء بصري مضطرب، حيث تختلط الظلال بالضوء، ويظهر شبح امرأة قد تكون مجرد ذكرى أو خيال لكائن عابر بين العالمين. العجوز البدوية التي تعود من زمن آخر، من لحظة قديمة بين القنيطرة وبريقة، ليست استرجاعاً فحسب، بل إشارة إلى أن الماضي لا يمضي تمامًا، بل يُعيد إنتاج نفسه في اللحظات الحاسمة.
بهذا المعنى، “مَانِيدُو” ليست رواية مغامرة، رغم ما تزخر به من عناصر التشويق. وليست قصة حب، رغم حضور العاطفة. إنها نصٌ عن الحافة. تلك التي يقف عندها الإنسان حين يتجرد من كل شيء، ولا تبقى له سوى أسئلته الوجودية.
تكثيف سردي وتجربة تأملية
تيسير خلف، الذي راكم تجربة سردية وبحثية تمتد لعقود، يبدو هنا أكثر ميلاً إلى التكثيف، إلى التخلص من الزوائد، لكتابة نص أقرب إلى التأمل الطويل. وربما لهذا تبدو الرواية قصيرة زمنيًا، لكنها ثقيلة دلاليًا، كما لو أنها كُتبت لتُقرأ ببطء، أو لتُعاد قراءتها مرة بعد مرة، بُعدا فوق بُعد، وطبقة تحت طبقة.
فضلًا عن كل ذلك، “مَانِيدُو، قصَُّة حُب جليدية” هي من تلك الأعمال الأدبية التي لا يخرج القارئ منها سالما تماما. يغاردها منهكا كملاكم في آخر المنازلة، مذهولا كالناجي من صدمة حادث سير. رواية ترجّ يقينيات القارئ، وتهزّ إيقاعه الداخلي، لتتركه في مواجهة سؤال بسيط وخطير في آن معاً: ماذا يبقى للإنسان (ومن الإنسان) حين يذوب كل شيء من حوله؟















