بعد صراع طويل مع المرض، رحلت “سيدة الشاشة الخليجية” الفنانة الكويتية القديرة حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ 78 عاماً، تاركةً خلفها إرثاً فنياً استثنائياً لأكثر من خمسة عقود، شكّل جزءاً من الذاكرة الثقافية في الخليج والعالم العربي.
نعت مؤسسة الفهد للإنتاج الفني الراحلة في بيان جاء فيه: “بقلوبٍ مؤمنة بقضاء الله وقدره، ننعى وفاة الفنانة القديرة حياة الفهد، التي وافتها المنية بعد معاناةٍ مع المرض، إثر مسيرةٍ حافلة بالعطاء الفني والإنساني. لقد كانت رمزاً من رموز الدراما الخليجية، وتركت إرثاً خالداً سيبقى في ذاكرة الأجيال”.
لوحة فنية متكاملة
منذ بداياتها في ستينيات القرن الماضي، من خلال مسلسل “عايلة بوجسوم”، استطاعت حياة الفهد أن ترسّخ حضورها واحدةً من أبرز الوجوه النسائية القادمة في الدراما الخليجية والعربية. لتسجل في عام 1963 أول حضور مسرحي لها في “الضحية”، قبل أن تخوض تجربتها السينمائية الأولى في فيلم “بس يا بحر” عام 1971، الذي يُعد من أبرز المحطات في تاريخ السينما الخليجية، وما تلاه بعد ذلك من عشرات الأعمال في التلفزيون والمسرح والسينما التي شاركت فيها بتميز.
لم تكن الفهد مُجرد فنانة تؤدي أدواراً، بل شكلت حالة فنية متكاملة، جمعت بين التمثيل والكتابة والإنتاج، وأسهمت في تطوير شكل ومضمون الدراما المحلية. حملت أعمالها أبعاداً واقعية وإنسانية مهمة، إلى جانب الترفيه. كما تناولت قضايا المرأة، والتحولات المجتمعية، والصراعات اليومية التي يعيشها الإنسان الخليجي.
جرأة الطرح
تميّزت الفهد بقدرتها على تجسيد الشخصيات المركبة، خصوصاً المرأة القوية التي تواجه التحديات، أو تلك التي تعيش صراعات داخلية معقدة. ففي أعمال مثل “خالتي قماشة” و”رقية وسبيكة” و”أم هارون”، قدمت نماذج درامية بقيت عالقة في وجدان الجمهور، ونجحت في نقل تفاصيل الحياة اليومية بأسلوب صادق وقريب من الناس.
كما عُرفت بجرأتها في طرح موضوعات حساسة، ولم تتردد في الاقتراب من قضايا الهوية، والعلاقات الاجتماعية، وحتى التوترات التاريخية، لترسخ مكانتها فنانة صاحبة رؤية ورسالة واضحتين. هذا التوازن بين الجرأة والالتزام الفني كان أحد أسرار استمرارها في القمة لسنوات طويلة.
جزء من الهوية الخليجية
رحيل حياة الفهد يفتح أيضاً باب الحديث عن جيل كامل من الرواد الذين أسسوا للدراما الخليجية الحديثة. فقد كانت جزءاً من حركة فنية نشطة شهدتها الكويت، أسهمت في تصدير الإنتاج الدرامي إلى مختلف أنحاء العالم العربي. هذا الدور الريادي جعلها رمزاً ثقافياً يتجاوز حدود الفن، ليصبح مدخلاً إلى الهوية الثقافية الخليجية.
على المستوى الإنساني، عُرفت الفهد بتواضعها وقربها من الجمهور، رغم شهرتها الواسعة. كانت حاضرة في ذاكرة المشاهدين ليس فقط من خلال أعمالها، بل أيضاً من خلال شخصيتها التي اتسمت بالبساطة والصدق. لذلك، مثّل نبأ رحيلها خسارة إنسانية إلى جانب كونه صدمة فنية.
عنوان مرحلة ذهبية لن تتكرر بسهولة
في السنوات الأخيرة، قلّ ظهورها بسبب ظروفها الصحية، إلا أن حضورها بقي محفوراً في وجدان الجمهور، وفي إعادة عرض أعمالها التي تحظى بمتابعة واسعة. هذا الاستمرار يعكس قوة تأثيرها، وقدرتها على تجاوز الزمن، وهو ما لا يتحقق إلا للأسماء الكبيرة التي تترك بصمة حقيقية.
اليوم، ومع رحيل “سيدة الشاشة الخليجية”، تقف الساحة الفنية أمام فراغ يصعب ملؤه. لكن إرثها سيظل حاضراً، يلهم الأجيال الجديدة من الفنانين، ويذكّرهم بأهمية الفن كرسالة ومسؤولية. رحل الجسد، وبقي الأثر. وفي ذاكرة الدراما الخليجية، سيظل اسم حياة الفهد محفوراً كأحد ألمع رموزها، وكعنوان لمرحلة ذهبية لن تتكرر بسهولة.















