في زمن تتسارع فيه الإيقاعات وتضيق فيه مساحات التأمل، يطلّ كتاب “خوف بارد” للكاتبة الإماراتية عائشة سلطان كعمل هادئ في ظاهره، عميق في طبقاته. ليس لأنّه يتناول الخوف بوصفه موضوعًا، بل لأنه يكتبه من الداخل، من تلك المنطقة الرمادية التي لا يُسمع فيها الصوت، لكن يُحسّ فيها بكل شيء. هنا، لا نقرأ عن الخوف بقدر ما نختبره؛ خوفٌ لا يصرخ، بل يتسلل، يستقر، ويعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية دون ضجيج.
في مجموعتها القصصية “خوف بارد”، تواصل الكاتبة الإماراتية عائشة سلطان حفرها الهادئ في طبقات النفس الإنسانية، بعيدًا عن الضجيج السردي والزخارف المجانية. نحن هنا أمام نص لا يرفع صوته، بل يهمس. لكنه همس كثيف، مشحون بأسئلة الوجود والهشاشة والقلق الذي يسكننا دون أن ننتبه.
اللافت في هذا العمل أن الخوف لا يُقدَّم بوصفه لحظة طارئة أو ردة فعل على حدث ما، بل كحالة مستمرة، كظلّ يرافق الإنسان أينما ذهب. إنه خوف بارد فعلًا؛ لا يشتعل، لا ينفجر، بل يتسلل ببطء، يتغلغل في التفاصيل اليومية، ويعيد تشكيل العلاقة بين الذات والعالم. بهذا المعنى، يتحول النص إلى مساحة تأملية مفتوحة، حيث يصبح الأدب أداة لسبر أغوار ما لا يُقال عادة.
لغة مقتصدة.. وخوف يتشعّب في تفاصيل الحياة
تكتب عائشة سلطان بلغة مقتصدة، لكنها مُحمّلة بدلالات عميقة. جمل قصيرة، محسوبة، تترك فراغات مقصودة، كأنها تدعو القارئ ليكمل النص من تجربته الخاصة. هذا الاقتصاد في اللغة يقابله غِنى في الإيحاء، وهو ما يمنح الكتاب طابعه النفسي الخاص، من منظور تراهن على الأثر لا على الحدث.
إذا كان الكتاب في مجمله ينحو نحو التأمل، فإن قصصه القصيرة تقدّم نماذج ملموسة لهذا الخوف الصامت، عبر شخصيات عادية تعيش حالات استثنائية في داخلها.
في إحدى القصص، نتابع امرأة تعيش حياة تبدو مستقرة، لكن قلقها الدائم من فقدان هذا الاستقرار يُحوّل يومياتها إلى حالة ترقب مستمر. لا شيء يحدث فعليًا، ومع ذلك كل شيء مُهدَّد. الخوف هنا لا يمكن في الواقع، بل في احتماله الداهم الذي قد يعصف بهذا الواقع في أي لحظة.
وفي قصة أخرى، تصادفنا شخصية رجل ناجح ظاهريًا، محاطًا بالناس، لكنه غارق في عزلة داخلية لا تُرى. هذا النوع من الخوف، المرتبط بالفراغ واللاانتماء، يكشف عن أحد أوجه الاغتراب في الحياة المعاصرة.
أما قصة الشابة التي تتأرجح بين الرغبة في الحرية والخوف من تبعاتها، فتضيء جانبًا آخر من هذا القلق الوجودي، حيث يصبح الخوف قيدًا ناعمًا يفرغ الطموح من معناه دون أن يمنع الحركة.
ولا تغفل الكاتبة عن الجذور الأولى لهذا الشعور، حين تعود في إحدى القصص إلى الطفولة، حيث يتشكّل الخوف في صورته البدائية، قبل أن يُعيد إنتاج نفسه لاحقًا بأشكال أكثر تعقيدًا.
تتجلى قوة المجموعة أكثر حين تتعدد هذه النماذج وتتشعب: نجد مثلًا قصة موظف بسيط يكتشف فجأة أنه يعيش على هامش حياته، يُكرّر الأيام ذاتها بلا أثر. الخوف هنا ليس من الفشل، بل من العيش بلا معنى، من أن تمر الحياة دون أن تُعاش فعلاً. هذا النوع من القلق الوجودي تدور رحاه على نار باردة، لكنه يترك أثرًا عميقًا.
وجوه الخوف: من النسيان إلى العجز عن الاختيار
وفي نص آخر، ترسم الكاتبة ملامح امرأة مُسنّة تعيش وحدها، لا تخاف الموت بقدر ما تخاف النسيان. تخشى أن تختفي دون أن يُلاحظ أحد غيابها. هنا يتحول الخوف إلى سؤال عن الذاكرة: ماذا يعني أن نُنسَى؟
كما تستوقفنا قصة شاب يعيش هاجس المقارنة الدائمة مع الآخرين، خصوصًا في زمن وسائل التواصل. يبدو ناجحًا، لكنه يشعر دائمًا بأنه أقل، وبأن هنالك حياة أخرى أفضل يمكن أن يعيشها. الخوف هنا نفسي خالص، يتغذى من الصورة المُتخيلة لا من الواقع.
وفي قصة أخرى، نلتقي بشخصية تخاف من اتخاذ قرار مصيري، فتؤجّله باستمرار، إلى أن يصبح التأجيل ذاته مصيرًا. هذا النوع من الخوف الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يفضي إلى شلل تدريجي في الحياة.
تمضي الكاتبة أبعد من ذلك، حين تطرح قصة علاقة عاطفية يسيطر عليها الخوف من الانكشاف. شخصان يقتربان، لكنهما يتراجعان في اللحظة الحاسمة، كأن الحب نفسه يصبح تهديدًا. هنا، يتحول الخوف إلى حاجز يحول دون التجربة الإنسانية الأكثر بساطة: أن نكون معًا.
الخوف في زمن متسارع
بهذا المعنى، لا تنفصل التجربة الفردية في “خوف بارد” عن سياقها الاجتماعي والثقافي، وعن تحولات العالم المعاصر، بتسارع إيقاعه، والضغط الذي يفرضه على الأفراد، حتى وهم يبدون مُندمجين فيه. الخوف هنا ليس ضعفًا شخصيًا فقط، بل انعكاس لخلل أعمق في علاقة الإنسان بمحيطه وزمانه.
أسلوب عائشة سلطان يقترب من كتابة لا تقدّم أجوبة، بقدر ما تثير أسئلة. نهايات معلّقة، مصائر غير محسومة، كأن النص يرفض أن ينغلق على معنى واحد. وهذه إحدى نقاط قوة هذه المجموعة القصصية: صدقها في محاكاة تعقيد التجربة الإنسانية.
“خوف بارد” ليس كتابًا عن الخوف بقدر ما هو كتابة من داخله. نصٌّ هادئ في ظاهره، عميق في أثره، يدعو القارئ إلى التمهّل، إلى الإصغاء، وإلى مواجهة ذلك الخوف الصغير الذي يسكنه… من دون أن يصرخ!















