مع تصاعد حدة المواجهة المسلحة بين الولايات المتحدة وإيران، تتكشف ملامح مشهد سياسي معقد يتجاوز حدود الصواريخ والضربات العسكرية، ليمتد إلى ساحة “التموضع الاستراتيجي” للقوى السياسية في المنطقة. في قلب هذا المشهد، تبرز “جماعة الإخوان المسلمين” كأحد أكثر الأطراف إثارة للجدل في طريقة إدارتها للأزمة.
يجد التنظيم نفسه اليوم أمام اختبار دقيق يوازن بين “إرثها الأيديولوجي”، وبين ضرورات الواقع السياسي التي تفرض عليها أحياناً التقاطع مع نظام “ولاية الفقيه”، في مواجهة ما تصفه بـ “الهيمنة الغربية”.
بيانات رمادية: تموضع بلا موقف
منذ الضربات الأولى، تبنّت الجماعة خطاباً حذراً أقرب إلى “إدارة الانطباع” منه إلى إعلان موقف. إدانة عامة لـ”العدوان”، واستدعاء فضفاض لـ”الأمة”، مقابل صمت لافت حيال الدور الإيراني. لم يكن ذلك توازناً دقيقاً بقدر ما كان محاولة للتموضع في المنطقة الرمادية: معاداة الغرب لفظياً، وتجنّب القطيعة مع طهران عملياً.
بينما تحاول القيادة المركزية في إسطنبول ولندن تلميع الموقف، جاءت الفروع الميدانية لتكشف المستور. في غزة، لم تتردد حركة حماس في إعلان اصطفافها الكامل وراء “المحور الإيراني”، محولةً القضية الفلسطينية إلى “صك غفران” يمحو سجل طهران الأسود في بغداد ودمشق وبيروت.
في اليمن، خرج الشيخ عبد الله أحمد علي العديني، القيادي الإخواني البارز، ليعلن صراحةً الوقوف مع من يكسر “شوكة أمريكا”، متجاوزاً سنوات من الدماء التي أراقها الحوثيون (أدوات إيران) بحق اليمنيين. هذا التحول الدراماتيكي يثبت أن العدو المشترك لدى الإخوان كفيل بمسح الذاكرة، وتحويل الخصم الوجودي إلى حليف ضرورة، في استعراض فجّ لتقديم مصلحة التنظيم على دماء الشعوب.
الخليج والسودان: اختبارات الولاء والتحالف
في الخليج، وتحديداً في الكويت، سقطت الجماعة في اختبار “الولاء الوطني”. فحين طالت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية أراضي خليجية، جاء بيان إخوان الكويت (الحركة الدستورية) مخيباً للآمال؛ نصٌّ بارد وخلوٌ من الإدانة الصريحة لطهران، ما دفع المحللين لوصفه بـ”صمت المتواطئ”.
أما الحالة السودانية، فهي تجسيد لـ “التحالف الهيكلي” الذي لا تحكمه العواطف بل المخابرات. كشفت تقارير حكومية أن العلاقة بين إخوان السودان وإيران، التي بدأت منذ انقلاب 1989، تحولت في عام 2026 إلى شراكة عسكرية ومخابراتية جعلت من البلاد منصة لطهران في البحر الأحمر. ولم يكن غريباً أن تصنف واشنطن “إخوان السودان” كمنظمة إرهابية مطلع هذا العام، بناءً على هذا التحالف الذي يهدد الملاحة الدولية ويجهض مسارات السلام.
نظرية “المسرحية”: حين يعجز الخطاب عن التبرير
عندما تضيق المساحة بين ادعاءات “حماية السنة” والارتماء في أحضان “الشيعة السياسية”، يلجأ الإعلام الإخواني إلى مخدر “نظرية المؤامرة”. يتم تصوير أي اشتباك حقيقي بين واشنطن وطهران على أنه “مسرحية مدروسة” أو “تبادل أدوار”.
هذا الخطاب “الضبابي” هو السلاح الأخير للعاجز؛ فمن جهة يمنع قواعدهم السنية من التعاطف مع إيران كبطل، ومن جهة أخرى يمنع الاصطفاف مع الخيار العربي-الدولي، ليبقي الجماعة في مأمن من اتخاذ موقف أخلاقي واضح. إنها حالة من الانفصام السياسي؛ حيث يُشاد بالمسيرات الإيرانية حين تخدم غرض التحريض ضد الأنظمة العربية، ويُشكك في جديتها حين يراد الحفاظ على نقاء الهوية الطائفية للجماعة.
تتجلى الازدواجية الإعلامية في “انتقائية الذاكرة”. فبينما كانت قنواتهم تملأ الفضاء خطاباً حاداً على جرائم إيران في حلب وحمص، نجدها اليوم تتبنى مصطلحات إيرانية المنشأ مثل “وحدة الساحات”. هذا التبييض المتعمد للوجه الإيراني يكشف أن دماء السوريين كانت مجرد “ورقة ضغط” سياسية، وحين تغيرت موازين القوى، ألقى الإخوان بتلك الدماء خلف ظهورهم مقابل البقاء تحت المظلة الإيرانية التي توفر لهم المال والسلاح والمنصات.
المصلحة تسبق المبدأ
تكشف حرب 2026 أن “جماعة الإخوان المسلمين” ليست حركة ذات مشروع “أمة” متماسك، بل هي شبكة من المصالح السياسية التي تتكيف مع الظروف. في دمشق هم “ثوار” ضد إيران، وفي اليمن وغزة هم “حلفاء” لها، وفي الكويت هم “محايدون” تجاه صواريخها.
السؤال المحرج الذي يهرب منه إعلام “الجماعة” هو: ماذا لو انتصرت إيران في هذه الحرب، فمن يضمن أن مشروعها “الإمبراطوري” سيكون أكثر رحمة بالمسلمين السنة من أي مشروع آخر؟ الحقيقة أن الإخوان لا يملكون إجابة، لأنهم ببساطة لا يبالون؛ فالبوصلة لا تشير إلا نحو “كرسي السلطة”، حتى لو كان الطريق إليه معبداً بالتحالف مع من قتلوا شعوبهم.
بين واشنطن وطهران، اختار الإخوان أن يكونوا “الراقص على الحبال”، قبل أن يفقدوا توازنهم تماماً، ويظهروا على حقيقتهم أمام الشارع العربي كجماعة توظف الدين لخدمة السياسة، وتوظف الدم لخدمة البقاء.















