حقوق وحريات

مايوت.. آلاف الأطفال خارج المدارس ونقص المقاعد يكشف عمق أزمة التعليم في الأرخبيل الفرنسي

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

أعادت بداية العام الدراسي في مايوت أزمة التعليم في الأرخبيل الفرنسي إلى الواجهة، وسط استمرار نقص الفصول الدراسية والعمل بنظام الدوام بالتناوب في بعض المدارس، بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو لمتابعة إعادة الإعمار والخدمات العامة.

بدأت العودة المدرسية رسمياً في 24 أغسطس/آب، لكن الدراسة لم تنطلق بصورة طبيعية في جميع المؤسسات. ففي مدرسة “فاهيبي 2″، منع أولياء الأمور فتح المدرسة احتجاجاً على تأخر أعمال الصيانة ونقص الأثاث وظروف الدوام بالتناوب. وجاءت العودة بعد أكثر من عام ونصف على إعصار “شيدو”، الذي ضرب مايوت في ديسمبر/كانون الأول 2024 وألحق أضراراً واسعة بالبنية التحتية، غير أن أزمة التعليم في المنطقة سبقت الكارثة بسنوات.

وقدّر مرصد عدم الالتحاق بالمدرسة في مايوت وجود 15,192 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 3 و15 عاماً خارج التعليم عند بداية العام الدراسي 2025، بما يعادل نحو 12.7% من الفئة العمرية المعنية، ارتفاعاً من 13,689 طفلاً، أو 11.7%، في العام السابق.

لا يمثل الرقم حصراً إدارياً لأطفال معروفين بالاسم أو قائمة بمن رُفض تسجيلهم، بل هو تقدير إحصائي للفارق بين عدد الأطفال في سن التعليم، وفق تقديرات السكان، وعدد المتمدرسين فعلياً في القطاعين العام والخاص. ولذلك لا يسمح الرقم وحده بتحديد سبب بقاء كل طفل خارج المدرسة.

كما توجد، بصورة منفصلة، حالات موثقة لأطفال ينتظرون مقاعد بسبب نقص الطاقة الاستيعابية، خصوصاً في بعض مراحل التعليم والمناطق التي تشهد ضغطاً سكانياً كبيراً.

مدارس تعمل بالتناوب

يُعدُّ نظام الدوام بالتناوب أحد أوضح مظاهر نقص القدرة الاستيعابية في مايوت. وبموجبه، تتقاسم مجموعات مختلفة الفصل الدراسي في أوقات منفصلة من اليوم، بدلاً من حصول كل مجموعة على يوم دراسي كامل.

لا يرتبط هذا النظام بإعصار شيدو وحده؛ فقد كان مستخدماً قبله بسبب نقص مزمن في المنشآت التعليمية. وتشير مناقشات مجلس الشيوخ الفرنسي إلى أن مايوت كانت تعاني نقصاً يقدر بنحو 1,200 فصل حتى قبل الإعصار، قبل أن يرتفع العجز بعد الكارثة إلى أكثر من 1,700 فصل.

وتستهدف خطة إعادة بناء مايوت إنهاء نظام التناوب بحلول الدخول المدرسي لعام 2031، من خلال بناء وتوسيع المؤسسات التعليمية وزيادة عدد الفصول.

وخلال زيارته إلى مايوت يومي 26 و27 أغسطس/آب، تابع لوكورنو ملف إعادة بناء المدارس، فيما أعلنت الحكومة خططاً لإنجاز 308 فصول خلال السنة الدراسية 2026-2027، بينها 89 فصلاً قبل عطلة الخريف.

نقص المباني والمعلمين

لا تقتصر الأزمة على المباني. فمايوت تواجه أيضاً صعوبة في توفير العدد الكافي من المعلمين واستقرار الكادر التعليمي، فيما تعمل نسبة مرتفعة منهم بعقود مؤقتة.

كان الأرخبيل قد صُنّف بالكامل ضمن شبكة التعليم ذات الأولوية في فرنسا، لكن النمو السكاني السريع وتأخر الاستثمار في المنشآت جعلا البنية التعليمية أقل من الاحتياجات الفعلية.

وزاد إعصار “شيدو” الضغط على المنظومة، بعدما تضررت مؤسسات تعليمية واضطرت السلطات إلى نقل بعض التلاميذ وتنظيم جداول مؤقتة والاستعانة بالتعليم عن بعد خلال العودة التدريجية إلى الدراسة مطلع 2025.

في هذا السياق، تقول الحكومة إن مشاريع البناء الجديدة ستزيد القدرة الاستيعابية، لكن تنفيذها يمتد على عدة سنوات.

الهجرة ليست التفسير الوحيد

يرتبط النقاش حول الضغط على الخدمات العامة في مايوت بصورة متكررة بالهجرة، خصوصاً مع قرب الأرخبيل من جزر القمر والنمو السكاني السريع.

وتضيف زيادة عدد السكان ضغطاً حقيقياً على التعليم والصحة والإسكان، كما توجد حالات لأطفال يصلون حديثاً إلى مايوت وتحتاج السلطات إلى تحديد أعمارهم ومستوياتهم قبل إلحاقهم بالصفوف المناسبة.

لكن أزمة التعليم لا تختزل في هذا العامل؛ فهناك نقص في المدارس، وتأخر في البناء، وصعوبة في استقطاب المعلمين، واستمرار الدوام بالتناوب، وكلها مشكلات سبقت الإعصار وموثقة منذ سنوات. كما أن تقدير الأطفال خارج التعليم لا يحدد الوضع القانوني أو سبب عدم الالتحاق بالمدرسة لكل حالة على حدة.

أحد أفقر أجزاء الجمهورية

تأتي هذه الأزمة داخل منطقة تفصلها مؤشرات اجتماعية واسعة عن معظم الأراضي الفرنسية. ووفق بيانات “إنسي” عن عام 2018، كان نحو 77% من سكان مايوت يعيشون تحت خط الفقر الوطني. كما أظهرت بيانات 2023 أن نصيب الفرد من الناتج المحلي بلغ نحو 11,020 يورو، أي قرابة 27% من المستوى الفرنسي.

وتكتسب المدرسة في هذه الظروف أهمية تتجاوز التعليم نفسه، لما يرتبط بها من خدمات غذائية واجتماعية وحماية للأطفال. وتقول الحكومة إن خطة إعادة تأسيس مايوت وإعادة إعمارها تستهدف تقليص هذه الفجوات، فيما يبقى التعليم أحد الملفات الرئيسية في المشاريع الحكومية الجارية.

ومع بداية عام دراسي جديد، يبقى التحدي أمام الدولة الفرنسية أبعد من زيادة عدد الفصول وإنهاء الدوام بالتناوب؛ فهو يتعلق بضمان حق كل طفل في مايوت في تعليم منتظم وكامل، بصرف النظر عن ظروف أسرته أو وضعها الاجتماعي أو مكان إقامته داخل الأرخبيل.