انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 13 أكتوبر/تشرين الأول الجاري خمس عشرة دولة لعضوية مجلس حقوق الإنسان للفترة 2027–2029، بعدما قدّمت المجموعات الإقليمية الخمس قوائم تضم العدد نفسه من المرشحين والمقاعد المتاحة. وللعام الثاني توالياً، لم يكن على الدول الأعضاء أن تفاضل بين مرشحين متنافسين في أي مجموعة، على الرغم من استمرار الاقتراع السري واشتراط الحصول على الأغلبية اللازمة للفوز.
تثير النتيجة مسألة تتجاوز أسماء الدول المنتخبة: النظام الذي أنشئ لضمان تمثيل جغرافي عادل يمنح المجموعات الإقليمية دوراً حاسماً في تحديد خيارات الجمعية العامة قبل بدء التصويت. وإذا اتفقت كل مجموعة على قائمة مغلقة، تصبح قدرة الدول على تقييم السجلات الحقوقية محدودة عملياً بقبول المرشح أو حجب الصوت عنه، لا باختيار دولة أخرى قد تكون أكثر التزاماً بمعايير العضوية.
وفازت بوروندي وغانا ونيجيريا وزامبيا عن إفريقيا، واليابان والأردن والكويت ونيبال عن آسيا والمحيط الهادئ، ومولدوفا وأوكرانيا عن أوروبا الشرقية، والبرازيل وجمهورية الدومينيكان وأوروغواي عن أمريكا اللاتينية والكاريبي، وألمانيا وأيرلندا عن أوروبا الغربية ودول أخرى. وتبدأ ولاياتها الجديدة في الأول من يناير/كانون الثاني المقبل، وتستمر ثلاث سنوات.
تصويت دون مفاضلة
لا يصح وصف العملية بأنها تعيين تلقائي. إذ يحتاج كل مرشح إلى 97 صوتاً على الأقل من أعضاء الجمعية العامة البالغ عددهم 193 دولة. ويمكن للدول الامتناع عن دعم مرشح أو التصويت لعدد أقل من المقاعد الشاغرة. غير أن هذه الإمكانية لا تعالج وحدها مشكلة غياب البديل: إسقاط مرشح، إذا حدث، لا يعني أن الجمعية العامة اختارت منافساً أفضل، بل يفتح الحاجة إلى معالجة شغور المقعد وفق إجراءات الانتخاب.
تعود هذه المفارقة إلى الفصل بين مرحلتين. الأولى سياسية وتجري داخل المجموعات الإقليمية التي تنسق الترشيحات؛ والثانية رسمية، حين تصوّت الجمعية العامة على الأسماء المعروضة. والتوزيع الإقليمي ليس خللاً في ذاته، لأنه يمنع احتكار منطقة واحدة للمقاعد الـ47. لكن تحويل التنسيق إلى قوائم غير تنافسية بصورة متكررة يقلص وظيفة الانتخاب بوصفه اختباراً علنياً للتعهدات والسجلات.
ويطلب القرار 60/251، الذي أنشأ المجلس عام 2006، من الدول مراعاة إسهام المرشحين في حماية حقوق الإنسان وتعهداتهم الطوعية، كما يلزم الأعضاء المنتخبين بالالتزام بأعلى المعايير الحقوقية والتعاون مع آليات المجلس. إلا أن القرار لا يحوّل هذه المعايير إلى قائمة شروط موضوعية تؤدي تلقائياً إلى استبعاد كل دولة يوجَّه إليها انتقادات حقوقية. وتبقى الموازنة بين السجل الحقوقي والاعتبارات الدبلوماسية بيد الدول المصوّتة.
هنا تكمن المشكلة العملية: حين لا يوجد سوى مرشح واحد لكل مقعد، يصبح رفضه قراراً سياسياً أكثر كلفة، وقد تتقدم حسابات التبادل الدبلوماسي والتوازن الإقليمي على التقييم الحقوقي. وهذا تفسير لطبيعة الحوافز في العملية، لا دليل على أن كل دولة صوتت وفق صفقة أو تجاهلت حقوق الإنسان؛ فالاقتراع سري ولا يكشف دوافع التصويت الفردية.
اختبار السجل الحقوقي
قدّمت بوروندي مثالاً مباشراً على التوتر بين المعايير والنتيجة. فقد انتقدت منظمة “هيومن رايتس ووتش” استمرار الانتهاكات والقيود على الحريات وغياب المساءلة، ولفتت إلى تصويت بوروندي في 6 أكتوبر/تشرين الأول ضد تجديد ولاية المقرر الخاص المعني بأوضاع حقوق الإنسان فيها. وعلى الرغم من ذلك، أُعيد انتخابها ضمن القائمة الإفريقية التي لم تضم منافسين على المقاعد الأربعة.
لا يكفي هذا المثال للحكم على أهلية بقية الدول المنتخبة بالدرجة نفسها، أو لاختزال سجلاتها في انتقاد واحد. فالتقييم الحقوقي يختلف من دولة إلى أخرى، وقد يجمع سجل الدولة بين تعاون مع بعض آليات الأمم المتحدة وخلافات معها في ملفات أخرى. غير أن غياب المنافسة يحرم الناخبين من أداة إضافية للمقارنة، ويجعل التعهدات الطوعية والمراجعات المستقلة أقل تأثيراً في النتيجة مما يمكن أن تكون عليه في اقتراع تنافسي.
من جهتها، شددت الأمم المتحدة على أن تحديد المرشحين يعود إلى الدول الأعضاء، وأن العضوية ترتب مسؤولية إضافية لحماية الحقوق داخل الدولة والدفاع عنها عالمياً. ويظل هذا التمييز مهماً: المجلس ليس جائزة تمنح الدول الفائزة شهادة براءة، ولا محكمة جنائية تصدر أحكاماً بالإدانة. إنه هيئة حكومية دولية تجري الاستعراض الدوري الشامل، وتنشئ ولايات للمقررين ولجاناً للتحقيق، ويمكن أن تتناول انتهاكات تقع في دول أعضائه أيضاً.
إصلاح آلية الانتخاب
لهذا لا يؤدي التشكيك في طريقة الانتخاب بالضرورة إلى التشكيك في جدوى المجلس نفسه. فقد أتاحت آلياته تحقيقات ومتابعات دولية في أزمات خطيرة، بينما يظل تأثير قراراته رهناً بالتعاون السياسي وقدرته على جمع الأصوات. والتمييز بين أداء المجلس وطريقة اختيار أعضائه ضروري حتى لا تتحول المطالبة بإصلاح الانتخاب إلى دعوة غير مسندة لإضعاف الرقابة الدولية القائمة.
تبدأ الخطوة العملية لتحسين الاختيار قبل وصول الأسماء إلى الجمعية العامة: تشجيع ترشيحات يتجاوز عددها عدد المقاعد المتاحة، ونشر تعهدات قابلة للتقييم، وإتاحة فحص مستقل للسجلات والتعاون مع الآليات الأممية. ولا يضمن ذلك انتخاب الدول الأفضل دائماً، لكنه يمنح التصويت وظيفة مقارنة حقيقية بدلاً من الاكتفاء بتثبيت توافق إقليمي سابق.
ومع بدء الولايات الجديدة في يناير/كانون الثاني، ينتقل الاختبار إلى سلوك الدول الخمس عشرة: تصويتها على ولايات التحقيق، واستجابتها للتوصيات، وتعاونها مع الخبراء المستقلين. فهذه مؤشرات يمكن قياسها بعد الانتخاب، لكنها لا تلغي السؤال الذي أثاره اقتراع أكتوبر: لماذا تُترك معايير العضوية المرتفعة من دون منافسة تتيح اختبارها قبل منح المقعد؟















