وقف ثلاثة أطفال في طابور الصباح داخل مدرستهم في ولاية كيرالا الهندية. وحين بدأ زملاؤهم غناء النشيد الوطني “جانا غانا مانا”، ظلّوا واقفين احتراماً، لكنهم لم يرددوا كلماته. لم يقاطعوا الغناء أو يعطلوا زملاءهم؛ فقد قالوا إن معتقدهم، بوصفهم من طائفة “شهود يهوه”، لا يسمح لهم بالمشاركة فيه.
وصلت قضيتهم إلى المحكمة العليا، التي قضت عام 1986 بأن امتناعهم لا يمثل إهانة للنشيد، وأن طردهم من المدرسة انتهك حريتهم في الضمير والمعتقد. وبعد أربعة عقود، تعود السابقة إلى النقاش القضائي في الهند، هذه المرة حول “فاندي ماتارام”: الأغنية الوطنية التي تريد الحكومة اعتماد مقاطعها الستة كاملة في مناسبات رسمية.
طعن الموسيقي تي. إم. كريشنا في الترتيبات الحكومية المتعلقة بالأغنية وفي تعديل قانوني منح أداءها حماية مماثلة للحماية المقررة للنشيد الوطني من التعطيل المتعمد. وتتمحور القضية حول سؤال دقيق: هل يكفي أن يحترم المواطن الرمز الوطني، أم يمكن إلزامه بترديد كلمات يرى أنها تتعارض مع معتقده؟
أغنية بمقاطع خلافية
كتب الأديب البنغالي بانكيم تشاندرا تشاتوبادياي “فاندي ماتارام” في القرن التاسع عشر، واكتسبت الأغنية مكانة بارزة في حركة مقاومة الاستعمار البريطاني، قبل أن يعلن رئيس الجمعية التأسيسية راجندرا براساد، في يناير/كانون الثاني 1950، أنها ستحظى بالتكريم نفسه الذي يحظى به النشيد الوطني.
لكن مكانتها التاريخية لم تُنهِ الخلاف حول نصها. تصف المقاطع الأولى أرض الوطن ومياهه وخصوبته، فيما تتضمن المقاطع اللاحقة صوراً دينية وإشارات إلى آلهة هندوسية. وفي عام 1937، أوصت لجنة العمل في المؤتمر الوطني الهندي باستخدام أول مقطعين في التجمعات الوطنية، مراعاةً للاعتراضات على المضامين الدينية في بقية الأغنية.
عاد الخلاف إلى الواجهة بعد إرشادات أصدرتها وزارة الداخلية في يناير/كانون الثاني 2026 بشأن أداء المقاطع الستة. وأعلنت إذاعة “أكاشفاني” الحكومية في مارس/آذار بث النسخة الكاملة. ثم أقر البرلمان في يوليو/تموز تعديلاً على قانون منع إهانة الشرف الوطني لعام 1971، قبل التصديق عليه في أغسطس/آب. وبموجبه، أصبحت عقوبة تعمد منع غناء الأغنية الوطنية أو التشويش على تجمع يؤديها تصل إلى السجن ثلاث سنوات أو الغرامة أو كليهما.
لا يفرض نص التعديل، في حد ذاته، على كل حاضر أن يغني. وهذه نقطة حاسمة في فهم النزاع: تنظيم أداء الأغنية في المناسبات الرسمية مسألة، ومعاقبة فرد لأنه امتنع عن ترديدها مسألة أخرى. وبينهما يطرح الطعن احتمال أن تتحول قواعد أداء الرمز الوطني، في التطبيق، إلى ضغط على أصحاب الاعتراضات الدينية والضميرية.
سابقة الصمت
لا ينازع كريشنا في المكانة الوطنية لـ”فاندي ماتارام”. ينصبّ اعتراضه على إلزامية أداء المقاطع الستة وما قد يترتب عليها بالنسبة إلى من لا يستطيع، وفق معتقده، ترديد المقاطع ذات المضمون التعبدي. وفي المقابل، تتمسك الحكومة بحقها في تحديد الصيغة الرسمية لأداء الأغنية وصون مكانتها التاريخية.
هنا تستعيد القضية حكم “بيجوي إيمانويل ضد ولاية كيرالا”. فقد ميّزت المحكمة العليا عام 1986 بين الامتناع عن الغناء وبين إهانة النشيد أو تعطيله: وقف الأطفال الثلاثة احتراماً، ولم يمنح صمتهم المدرسة حق معاقبتهم. والسؤال الآن هو مدى انطباق ذلك المبدأ على أغنية يثير بعض نصها اعتراضاً دينياً لدى مواطنين لا ينازعون في وطنيتها.
انتقل الجدل أيضاً إلى السياسة. يدافع حزب بهاراتيا جاناتا عن أداء المقاطع الستة، بينما يتمسك حزب المؤتمر بالتقليد الذي اقتصر على المقطعين الأولين. ويعكس الخلاف تنازعاً أوسع على قراءة تاريخ الحركة الوطنية وموقع الرموز الدينية في التعبير عن هوية بلد متعدد الأديان.
لكن المحكمة تنظر في مسألة أضيق وأكثر تأثيراً في حياة الأفراد، ما الذي يجوز للدولة أن تطلبه من المواطن حين يُؤدّى رمز وطني؟ لم يصدر حكم نهائي في الطعن بعد. وتذكّرنا سابقة أطفال كيرالا بأن الوقوف باحترام والامتناع عن الغناء قد يجتمعان، وأن الصمت لا يحمل، بمجرده، معنى الإهانة.















