تعود الشريعة الإسلامية إلى قلب مواجهة تشريعية في الولايات المتحدة، مع طرح 39 مشروع قانون وقراراً يستهدفها منذ بداية 2025. وراء هذا التصاعد خلاف يفوق مجرد تحديد ما يجوز للمحاكم تطبيقه: مؤيدون يقدمون التشريعات بوصفها دفاعاً استباقياً عن النظام الدستوري، ومعارضون يحذرون من تحولها إلى أداة تضع معتقدات أقلية دينية تحت اشتباه رسمي.
كشف تحليل نشرته صحيفة “واشنطن بوست” في 8 أكتوبر/تشرين الأول أن عدد هذه المبادرات خلال أقل من عامين اقترب من مجموعها طوال السنوات الخمس عشرة السابقة، حين بلغ 48 مبادرة. وأُقرّت ستة تدابير في ست ولايات، لتنتقل المواجهة من التصريحات السياسية إلى نصوص قانونية تعيد اختبار الحدود بين حماية الحقوق الدستورية والتمييز على أساس الدين.
في ميسيسيبي، تتجسد مفارقة هذه الموجة، بعدما دفع النائب الجمهوري تيمي لادنر بمشروع لمنع تطبيق الشريعة في محاكم الولاية، مع إقراره بأنه لا يعرف واقعة حاول فيها أحد فرضها على القضاء المحلي. تعثّر مشروعه في فبراير، لكنه أعلن عزمه على المحاولة مجدداً، معتبراً التحرك إجراءً وقائياً. وهنا يبرز السؤال الذي يلاحق هذه التشريعات: ما الخطر المحدد الذي تعالجه، وكيف يمكن مواجهته من دون تحويل الانتماء الديني نفسه إلى مصدر للشبهة؟
لا تعني هذه الأرقام دخول 39 قانوناً جديداً حيز التنفيذ، ولا أن جميع المشاريع تفرض حظراً شاملاً على الممارسات الإسلامية. لكنها تكشف عودة ملف كان قد أثار جدلاً دستورياً واسعاً قبل أكثر من عقد، حين حاولت ولايات منع محاكمها من الأخذ بأحكام الشريعة أو الاعتراف بها ضمن المنازعات المدنية.
ثلاث صيغ تشريعية
توضح القوانين والمشاريع التي ظهرت خلال 2026 أن الجدل لا يدور حول نص تشريعي واحد، بل حول صيغ مختلفة تتفاوت في نطاق المنع وطريقة تعريف الشريعة.
في فلوريدا، وقّع الحاكم رون ديسانتيس قانون مجلس النواب HB1471 في 6 إبريل/نيسان، ودخل حيز التنفيذ في الأول من يوليو/تموز.ويمنع القانون المحاكم والهيئات الإدارية وهيئات التحكيم من تطبيق قواعد قانونية أجنبية أو دينية إذا كان تطبيقها ينتهك الحقوق التي يضمنها الدستور الأميركي أو دستور الولاية.
ويذكر النص الشريعة صراحة ضمن تعريف القانون الديني، لكنه لا يمنع كل ممارسة دينية إسلامية، ولا يحظر الاستناد إلى أي مبدأ ديني في جميع الظروف. فالمنع الذي يقرره مرتبط بانتهاك الحقوق الدستورية، ويشمل أيضاً بعض الأحكام الأجنبية وشروط العقود التي قد تؤدي إلى النتيجة نفسها.
في هذا السياق، قال ديسانتيس، إن الهدف من القانون هو الحفاظ على نظام واحد تكون فيه السيادة للدستور، ومنع القواعد الأجنبية أو الدينية التي تتعارض مع الحقوق الأساسية.
أما في تينيسي، فاختار المشرعون مساراً مختلفاً. فقد أقروا قانوناً لمكافحة القمع العابر للحدود وتدخل الجهات الأجنبية، يتضمن أحكاماً تمنع إنفاذ قرارات أو عقود تستند إلى قوانين أجنبية عندما تحرم الأفراد من حقوق دستورية.
وكانت المسودة السابقة تتضمن إشارة صريحة إلى الشريعة في تعريف القانون الأجنبي، لكن مجلس النواب حذف هذه الإشارة خلال تعديل المشروع في مارس/آذار، قبل إقراره ودخوله حيز التنفيذ في يوليو/تموز. مع ذلك، وصفت الكتلة الجمهورية في مجلس نواب تينيسي، في بيان صادر عنها، القانون بأنه وسيلة للحماية من إنفاذ الشريعة.
ويكشف هذا الاختلاف بين النص النهائي والخطاب السياسي المصاحب له أهمية التمييز بين ما يقوله المشرعون عن أهداف القانون وما تسمح أحكامه الملزمة بتنفيذه فعلياً.
وفي أريزونا، لم تصل محاولة مشابهة إلى مرحلة النفاذ. فقد أقرّ مجلسا النواب والشيوخ مشروع القانون SB1018، الذي أضاف الشريعة صراحة إلى تعريف القانون الأجنبي، ووسّع التعريف ليشمل ممارسات مرتبطة بالإكراه على الزواج والعنف الأسري والتمييز وانتهاك الحقوق الأساسية. لكن الحاكمة كاتي هوبز استخدمت حق النقض ضد المشروع في 19 يونيو/حزيران، معتبرة أن الإطار القانوني القائم يعالج بالفعل تطبيق القواعد التي تتعارض مع القانون والحقوق الدستورية.
وهكذا أنتجت ثلاث ولايات نتائج مختلفة: قانوناً نافذاً يذكر الشريعة ضمن تعريف أوسع، وقانوناً حُذفت منه الإشارة المباشرة إليها، ومشروعاً أوقفته السلطة التنفيذية بعد إقراره تشريعياً.
سابقة أوكلاهوما
لم يكن الجدل حول دستورية هذه التدابير جديداً. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2010، وافق أكثر من 70% من ناخبي أوكلاهوما على تعديل دستوري يمنع محاكم الولاية من النظر إلى أحكام الشريعة الإسلامية أو الاعتماد عليها، إلى جانب قيود على الاستناد إلى القانون الدولي وقواعد قانونية أجنبية.
لكن المسلم الأميركي منير عوض طعن في التعديل، معتبراً أنه يخص دينه بمعاملة سلبية لا يفرضها على أديان أخرى، وقد يؤثر في حقوقه الشخصية، بما فيها تنفيذ وصية تضمنت إشارات إلى مبادئ إسلامية.
وفي يناير/كانون الثاني 2012، أصدرت محكمة الاستئناف قراراً يؤيد أمراً قضائياً أولياً يمنع مجلس انتخابات الولاية من اعتماد نتيجة الاستفتاء، ما حال دون نفاذ التعديل.
لم يكن الحكم مجرد خلاف حول صلاحية أوكلاهوما في تحديد القواعد التي تطبقها محاكمها. فقد رأت المحكمة أن النص خص الشريعة الإسلامية بالمنع، من دون معاملة مماثلة لقواعد الأديان الأخرى، وأن المدعي قدم أسباباً قوية ترجح نجاح طعنه على أساس الحظر الدستوري لتفضيل دين أو التمييز ضده.
كما لاحظت المحكمة أن سلطات الولاية لم تقدم واقعة محددة تثبت أن محكمة في أوكلاهوما طبقت الشريعة بما أوجد المشكلة التي يسعى التعديل إلى علاجها.
دين ونظام قانوني
تقوم بعض مشاريع الحظر على التعامل مع الشريعة بوصفها مدونة قانونية موحدة تسعى إلى منافسة القانون الأميركي. غير أن مفهوم الشريعة في الاستخدام الديني الإسلامي أوسع من القواعد القانونية التي تطبقها بعض الدول ذات الأغلبية المسلمة. فهو يشمل مرجعيات دينية وأخلاقية تتعلق بالعبادات والسلوك والمعاملات والأحوال الشخصية، وتختلف تفسيراتها بين المدارس الفقهية والمجتمعات والأفراد.
قال عبد الله أنتبلي، المتخصص في الشؤون الدينية والحوار بين الأديان، لصحيفة “واشنطن بوست” إن الشريعة ليست قانوناً موحداً يتفق عليه جميع المسلمين، وإن رجوع الفرد إليها في قراراته الأخلاقية لا يعني المطالبة بإحلالها محل الدستور.
وهذا الفرق له أثر قانوني مباشر، إذ يمكن للأفراد في الولايات المتحدة ممارسة معتقداتهم والاسترشاد بها في حياتهم الخاصة، وقد تتضمن بعض الاتفاقات المدنية إشارات إلى قواعد دينية يختارها أطرافها. لكن تنفيذ تلك الاتفاقات أمام القضاء يظل خاضعاً للقانون الأميركي وضماناته، ولا يحول المرجعية الدينية إلى سلطة عامة ملزمة للمجتمع.
لذلك يختلف منع الإكراه أو التمييز أو انتهاك الحقوق داخل علاقة تعاقدية عن منع الإشارة إلى مرجعية دينية بعينها، حتى عندما لا يترتب عليها انتهاك لحق يحميه الدستور.
مناخ سياسي متغير
يتزامن الارتفاع التشريعي مع تغيرات في نظرة الأميركيين إلى الإسلام. ففي تقرير نشره مركز “بيو” للأبحاث في سبتمبر/أيلول 2026، مستنداً إلى استطلاع أُجري في يناير/كانون الثاني من العام نفسه، قال 51% من البالغين الأميركيين المشاركين في الاستطلاع إن الإسلام أكثر ميلاً من الأديان الأخرى إلى تشجيع العنف، مقارنة بـ25% في مارس/آذار 2002، بعد أشهر من هجمات 11 سبتمبر/أيلول.
وأظهر الاستطلاع انقساماً حزبياً واضحاً؛ إذ بلغت النسبة 76% بين الجمهوريين والمستقلين الميالين إليهم، مقابل 29% بين الديمقراطيين والمستقلين الميالين إليهم. ولا تثبت هذه البيانات أن المواقف الشعبية هي التي أنتجت مشاريع القوانين، لكنها توضح البيئة السياسية والاجتماعية التي تجري فيها المناقشات التشريعية.
ورصد تحليل “واشنطن بوست” أيضاً اتساع حضور الشريعة في الخطاب السياسي والإعلانات الانتخابية خلال العامين الأخيرين، بينما قال مشرعون تحدثت إليهم الصحيفة إن مبادراتهم تستهدف الوقاية من فرض قواعد تتعارض مع القيم الدستورية الأميركية.
في المقابل، يحذر ممثلو الجاليات المسلمة وخبراء قانونيون من أن تكرار الربط بين الإسلام وتهديد النظام القانوني قد يعزز الوصم والشك تجاه أقلية دينية، حتى عندما تكون النصوص المقترحة أوسع من حظر الشريعة بالاسم.
الدستور بين الحماية والتمييز الديني
بين الموقفين، لا يتعلق الخلاف بأولوية الدستور الأميركي، التي لا ينازع فيها النظام القانوني نفسه، بل بالحاجة إلى تشريعات إضافية، ومدى استنادها إلى مشكلات موثقة، وطريقة صياغتها من دون تمييز ديني.
فبعد أكثر من أربعة عشر عاماً على حكم الاستئناف في قضية أوكلاهوما، تعود مشاريع القوانين المتعلقة بالشريعة إلى المجالس التشريعية الأميركية بوتيرة أعلى وبصيغ مختلفة. بعضها تعثر، وبعضها أُقر، لكن إقرار النص لا يحسم دستوريته أو يمنع الطعن فيه.
وتبقى سابقة أوكلاهوما مرجعاً مهماً في التمييز بين حماية الحقوق الدستورية وبين تخصيص دين بمعاملة تشريعية سلبية، من دون أن تغني عن فحص كل قانون وفق نصه وآثاره.















