يُجري الرئيس الصيني شي جين بينغ زيارة دولة إلى الولايات المتحدة في الفترة من 23 إلى 25 سبتمبر/أيلول الجاري، تلبية لدعوة نظيره الأمريكي دونالد ترامب، وذلك بعد أقل من خمسة أشهر على لقائهما في بكين، وسط تحول لافت في موازين العلاقة الاقتصادية بين واشنطن وبكين، التي انتقلت من التصعيد الجمركي الحاد إلى هدنة تجارية هشة تحاول القوتان الاقتصاديتان الأكبر في العالم تثبيتها.
بينما تتجه أنظار العالم إلى مستقبل تلك الهدنة التجارية، التي تنتهي في 10 نوفمبر/تشرين الثاني، يدخل شي القمة مدعوماً بأداء اقتصادي قوي لبلاده، في حين تبدو واشنطن أكثر ميلاً إلى إدارة الخلاف بدلاً من فتح جبهة جديدة، بعدما أظهرت الأشهر الماضية فشل الرسوم الجمركية، مهما ارتفعت، في كبح القوة الصناعية والتصديرية للصين بالقدر الذي راهنت عليه إدارة ترامب.
الصين في موقع تجاري أكثر قوة
أبرز ما تغير منذ لقاء ترامب وشي السابق هو أداء التجارة الصينية. فقد ارتفعت صادرات الصين في أغسطس/آب بنسبة 25% على أساس سنوي، متجاوزة نمو يوليو/تموز البالغ 23.9%، بينما قفزت الواردات 28.2%، فيما بلغ الفائض التجاري في الشهر نفسه 119 مليار دولار. كما ارتفعت الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة 34.4% الشهر الماضي، في مؤشر على أن الرسوم لم تمنع عودة تدفقات التجارة الثنائية إلى مستويات مرتفعة.
ونقلت “رويترز” أن الفائض التجاري العالمي للصين يتجه لتجاوز تريليون دولار للعام الثاني على التوالي. والأهم أن هذا الأداء لا يعتمد فقط على السوق الأمريكية؛ فقد استفادت الصين من اتساع أسواقها في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية ومناطق أخرى، بالتوازي مع قوة صادرات السيارات والمنتجات عالية التقنية وأشباه الموصلات والسلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
حتى في السوق الأمريكية، لم تتراجع صادرات الصين بصورة شاملة. بل على العكس، زادت مبيعات أكثر من نصف المنتجات التي تصدّرها الصين إلى الولايات المتحدة، والبالغ عددها نحو 6500 منتج مقارنةً بالعام السابق، على الرغم من نجاح واشنطن في تقليص تدفقات الطرود الرخيصة التي اعتمدت عليها منصات مثل “شي إن” و”تيمو”.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الرئيسية للقمة: الولايات المتحدة بدأت حرب الرسوم بهدف ضبط الميزان التجاري وتدفقات التصنيع، بينما انتهت الصين إلى إعادة توزيع جزء من تجارتها جغرافياً مع الحفاظ على قوة صادراتها.
من التصعيد إلى الهدنة
بدأت الجولة الحالية من الحرب التجارية في فبراير/شباط 2025، عندما فرض ترامب رسوماً بنسبة 10% على السلع الصينية الواردة إلى بلاده، مبرراً ذلك بمخاوف تتعلق بمخدر الفنتانيل والهجرة. وردت بكين برسوم على الفحم والغاز الطبيعي المسال والنفط والسيارات الأمريكية، إلى جانب قيود على تصدير معادن أساسية لقطاعي الدفاع والطاقة النظيفة.
وفي مارس/آذار، ضاعفت واشنطن الرسوم المرتبطة بالفنتانيل إلى 20%، فردت الصين برسوم تراوحت بين 10% و15% على منتجات زراعية أمريكية بقيمة تقارب 21 مليار دولار.
جاء أبريل/نيسان ليفجر الخلاف أكثر، بعدما فرض ترامب رسوماً جديدة بنسبة 34% على الصين ضمن ما سمي بـ “يوم التحرير”، لترد الصين برسوم مماثلة. قبل أن يتصاعد النزاع بسرعة، إذ رفعت الولايات المتحدة الرسوم إلى 84% ثم 125% على الواردات الصينية. وكما كان متوقعاً، رفعت بكين رسومها أيضاً إلى النسب ذاتها، وشددت القيود على صادرات المعادن الأرضية النادرة وحذرت مواطنيها من السفر إلى الولايات المتحدة.
لتثبت أزمة أبريل أن الطرفين قادران على إلحاق أضرار كبيرة باقتصاديهما وبسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما دفعهما إلى التراجع.
في مايو/أيار 2025، أفضت محادثات جنيف إلى هدنة لمدة 90 يوماً، خُفضت خلالها الرسوم الأمريكية على السلع الصينية من 145% إلى 30%، والرسوم الصينية على السلع الأمريكية من 125% إلى 10%. ثم مُدّدت الهدنة 90 يوماً إضافية في أغسطس/آب.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، وسّعت الصين القيود على صادرات المعادن الأرضية النادرة، فردّ ترامب برسوم إضافية نسبتها 100% وقيود على تصدير برمجيات حيوية ومكونات طائرات “بوينغ”. في نهاية الشهر، وعقب محادثات في كوريا الجنوبية، توصل الطرفان إلى تفاهم أوسع، شمل خفض الرسوم، وتشديد الصين إجراءاتها ضد المواد الأولية للفنتانيل، واستئناف مشتريات فول الصويا، وتعليق قيود تصدير المعادن النادرة.
في فبراير/شباط 2026، قضت المحكمة العليا الأمريكية ببطلان الرسوم الجمركية الطارئة التي فرضها ترامب، وألغت الرسوم المفروضة على الصين المرتبطة بالفنتانيل ونظام الرسوم المتبادلة. ورد ترامب بفرض رسوم عالمية مؤقتة بنسبة 10% استناداً إلى قانون آخر.
ثم جاءت قمة بكين في مايو/أيار 2026 بين ترامب وشي، لتؤسس لمرحلة ذات بعد مؤسسي أكثر مع خطط لإنشاء مجلسين للتجارة والاستثمار، والتزامات صينية بشراء طائرات “بوينغ” ومنتجات زراعية وطاقة أمريكية.
لكن واشنطن عادت في يوليو/تموز وفرضت رسوماً جديدة بنسبة 12.5% على السلع الواردة مع 60 شريكاً تجارياً، من بينها الصين، بدعوى عدم اتخاذ تلك الدول إجراءات كافية للحد من واردات السلع المنتجة باستخدام العمل القسري.
التجارة عبر الذكاء الاصطناعي والمعادن
تأتي المحادثات التحضيرية التي عقدها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، ونائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فنغ، في نيويورك، لتؤكد أن جدول أعمال القمة يتجاوز الرسوم التقليدية.
فقد ناقش المسؤولان آليات للحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي، واتفقا على إنشاء حوار رسمي حول سلامة الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك آلية للإخطار بالحوادث الخطرة، مع اجتماع جديد متوقع خلال نحو شهرين في شنتشن. وفي الجانب التجاري، يجري بحث خفض الرسوم على منتجات “غير حساسة”، تشمل سلعاً استهلاكية وزراعية ومنتجات طاقة وأجهزة طبية.
أما المعادن الأرضية النادرة فستظل في صلب الحسابات. فقد تراجعت شحنات الصين من مغناطيسات المعادن النادرة إلى الولايات المتحدة إلى 512 طناً في أغسطس، بانخفاض 13% على أساس سنوي و20% عن يوليو، وفق بيانات الجمارك الصينية. وتكتسب هذه المواد أهمية خاصة لصناعات السيارات والطاقة والتقنيات المتقدمة، ما يجعلها ورقة تفاوضية تتجاوز قيمتها التجارية المباشرة.
تايوان.. ملف يختبر حدود المقايضة
رغم أن الاقتصاد سيكون محور القمة، فإن تايوان قد تفرض نفسها بشكل أو بآخر على المحادثات. فقد قال ترامب إن شي أثار مراراً قضية الجزيرة خلال لقائهما في بكين، بما في ذلك مبيعات الأسلحة الأمريكية ومدى التزام واشنطن بالدفاع عنها.
والأكثر حساسية أن ترامب وصف حزمة أسلحة أمريكية لتايوان بقيمة 14 مليار دولار بأنها “ورقة تفاوض” مع بكين، وهو ما أثار مخاوف تايبيه وطوكيو من احتمال استخدام القضية لتحقيق مكاسب سياسية قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، والتي تشكل تحدياً للحزب الجمهوري، من بين ملفات أخرى.
ربما تصبح تايوان جزءاً من منطق المقايضة الأوسع للعلاقات الصينية-الأمريكية التي أصبحت أكثر اعتماداً على تبادل المصالح. أي أن بكين ستربط قراراتها بشأن التجارة الثنائية أو إنفاذ القانون بموقف واشنطن تجاه ملف الجزيرة.
إيران تكشف حدود الضغط
يمثل ملف إيران جانباً آخر من الحسابات الاقتصادية. واشنطن تنظر إلى بكين بوصفها طرفاً قادراً على ممارسة نفوذ على طهران للمساعدة في إنهاء الحرب، لكن الصين لم تُبد حتى الآن استعداداً واضحاً لاستخدام علاقاتها الاقتصادية مع إيران لتحقيق هذا الهدف.
وبحسب “رويترز”، تواصل الصين بيع مليارات الدولارات من السلع لإيران عبر ترتيبات للالتفاف على العقوبات، وهو ما تنفي وزارة الخارجية الصينية معرفتها به. كما أن تهديد واشنطن بعقوبات ثانوية على المتعاملين مع إيران لم يتحول حتى الآن إلى حملة واسعة تستهدف الصين باعتبارها أكبر شريك تجاري لطهران.
يعكس ذلك مصلحة مشتركة في إبقاء العلاقة الأمريكية-الصينية مستقرة نسبياً. ترامب لا يريد إشعال حرب اقتصادية جديدة بينما يركز على إيران وملفات أخرى، في حين تحتاج الصين إلى الوقت لتعزيز الطلب المحلي والقدرة الصناعية ومتانة سلاسل الإمداد.
هدنة أم سلام تجاري؟
المحصلة الأبرز من مسار الأشهر الماضية أن العلاقة بين الجانبين لم تنتقل من الحرب التجارية إلى السلام التجاري، بل إلى “هدنة مُدارة”، تستمر خلالها المنافسة في التكنولوجيا وأشباه الموصلات والمعادن النادرة والاستثمار، مع محاولة الحكومتين فصل بعض الملفات الاقتصادية القابلة للتسوية عن الملفات التي تعتبرها كل منهما جزءاً من أمنها القومي.
يأتي ذلك في وقت تواجه فيه الصين نقاط ضعف داخلية، خصوصاً ضعف الاستهلاك وأزمة العقارات، رغم قوة التصدير. كما أن اتساع الفائض التجاري الصيني بدأ يثير قلقاً خارج الولايات المتحدة أيضاً؛ فقد بلغ العجز التجاري للاتحاد الأوروبي مع الصين 360.6 مليار يورو في 2025، واتسع أكثر في النصف الأول من 2026، ما يعكس اتساع النقاش العالمي حول القدرة الصناعية الصينية وفائض الإنتاج.
فهل تثمر القمة التاريخية المرتقبة اتفاقاً تجارياً شاملاً يمنع عودة كابوس الرسوم والقيود المتبادلة؟
ربما يكون تمديد الهدنة، وفتح قنوات دائمة للتجارة والاستثمار والذكاء الاصطناعي، وإبقاء المعادن النادرة والتكنولوجيا خارج دائرة التصعيد الفوري، أهم من أي صفقة ضخمة يتم الإعلان عنها في البيت الأبيض.















