الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

مقالات مشابهة

الجزائر

فيلم “صرخة الصمت”.. حين تبتلع الجبال صوت المرأة في ذاكرة العِشرية السوداء

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

في عمل يعيد فتح جراح الذاكرة الجزائرية، واضعاً المرأة في قلب سردية الألم والصَّمت خلال العِشرية السوداء، احتضنت قاعة متحف السينما بالعاصمة الجزائر (السينماتيك) العرض الأول لفيلم “صرخة صمت” (Cri Silencieux) للمخرج الجزائري “جابر ذياب”.

في قرية جبلية معزولة، تُروى حكاية “ياقوت” الطفلة التي جاءت إلى الحياة في لحظة فقد، بعدما رحلت أمها إثر نزيف حاد كان يمكن إنقاذها لو توفرت الرعاية الطبية.

“ياقوت”: الحُلم الذي يُغتال في مهده!

منذ البداية، يبدو القدر وكأنه كتب على ياقوت أن تنشأ في “عالم بلا حماية”: أب قاسٍ يرفض تعليمها، وزوجة أب تُمارس عليها قسوة يومية، وبيئة لا ترى في الفتاة سوى عبء زائد في زمن الخوف، وطفولة مسلوبة، وصوت يُقمع قبل أن يُولد!

لا تُقدّم “ياقوت” في الفيلم، كضحية تقليدية، بل ككائن يُسلب منه صوته تدريجياً. من حرمانها من المدرسة، إلى عزلها في الجبال بين الماعز، وصولاً إلى قمع رغبتها البسيطة في التعلم، تتكون ملامح فتاة تعيش على هامش العالم، تراقبه من نافذة مغلقة. 

في أحد أكثر المشاهد إنسانية، تلتقي عينا ياقوت بعيني معلم يمنحها برتقالة (إشارة رمزية إلى المعرفة والحياة المُمكنة) لكن هذا الأمل القصير يُغتال سريعاً، حين تتحول المدرسة، رمز النور، إلى مسرح دم بعد مجزرة إرهابية تودي بحياة المُعلم والتلاميذ. هنا، لا تُفقد أرواح فقط، بل ينهار أيضاً احتمال آخر لحياة مختلفة.

“صرخة الصمت”: مُفارقة عنوان أم توصيف واقع؟

يحمل العنوان توتراً دلالياً عميقاً: كيف يُمكن للصَّمت أن يصرُخ؟ يُجيب الفيلم بصرياً: الصمت ليس غياب الصوت، بل تراكمه حتى الانفجار الداخلي. صرخة “ياقوت” في الجبل، التي لا يسمعها أحد، تختزل هذا المعنى: صرخة موجودة بلا صدى، بلا شاهد، بلا اعتراف.

في هذا السياق، يتحول الصَّمت إلى شكل من أشكال العنف غير المرئي. فالمهم ليس فقط ما يُقال، بل ما يُمنع من أن يُقال. “ياقوت” لا تُحرَم من الكلام فحسب، بل من الحق في أن يكون لصوتها معنى!

لا يفصل الفيلم بين العُنفين: العنف الخاص (الأسري) والعنف العام (الإرهاب). فكلاهما يلتقيان عند الجسد والروح. الأب الذي يرفض تعليمها، وزوجة الأب التي تُعنّفها، والجماعة الإرهابية التي تقتل المدرسة. جميعهم، بشكل أو بآخر، يُسهمون في خنق صوتها. هنا، لا تتجاوز “ياقوت” كونها حالة فردية، لتغدو استعارة لنساء عِشن في تقاطع القهرين: قهر المجتمع وقهر المرحلة التاريخية. نساءٌ لم يُمنحن حتى رفاهية الحلم!

هل يصرخ الصَّمت؟ أم نحن من لا نُصغي؟

يندرج فيلم “صرخة صمت” ضمن سياق سينما المرأة وضمن تيار سينمائي جزائري أعاد التفكير في تمثيل المرأة على الشاشة، كما في فيلم “رشيدة” (2002) للمخرجة يمينة شويخ، الذي واجه عنف الإرهاب من خلال شخصية امرأة، أو فيلم “السعداء” للمخرجة صوفيا جاما، الذي اشتبك مع أسئلة الحرية الفردية، وكذلك “الملكة الأخيرة” لعديلة بن ديمراد، الذي أعاد كتابة التاريخ من زاوية نسوية. غير أن ما يميز هذا الفيلم هو اختياره لطفولة أنثوية مُهمّشة، في فضاء ريفي معزول، حيث لا يصل الصوت ولا تُسمع الصرخة. إنه لا يدافع عن المرأة بخطاب مباشر، بل يكشف كيف يتم محوها بصمت. 

يذهب الفيلم في خاتمته القاسية، إلى أقصى استعاراته: حين يُصبح “البئر” ـ بما يحمله من دلالات الموت أو الاختفاء ـ أكثر أماناً من البيت. لحظة تختزل كل شيء: أسرة عاجزة، ومجتمع غائب، وعالم يفشل في حماية كائن ضعيف كان يبحث فقط عن فرصة للعيش.

لا يُقدّم الفيلم حلولاً، بل يترك المشاهد أمام سؤال أخلاقي حاد: كم من “ياقوت” ما تزال تصرخ في صمت؟ وكم من هذه الصرخات تمرُّ دون أن نلتفت إليها؟ في النهاية، لا يدعونا “صرخة صمت” إلى مشاهدة فيلم فحسب، بل إلى مراجعة قدرتنا على الإصغاء. إن أخطر ما في الصمت، ليس غياب الصوت، بل غياب من يسمعه!!