ترسم الضغوط الأمريكية والتسريبات الإسرائيلية ملامح مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ في المشرق، بعدما تحول الحديث من استهداف “حزب الله” عسكرياً إلى البحث عن أدوار إقليمية يمكن أن تسهم في تقليص نفوذه وقطع خطوط إمداده. وبين تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وادعاءات إعلامية إسرائيلية، ومواقف سورية ولبنانية حاسمة، تتبلور معادلة سياسية وأمنية معقدة تجعل الحدود السورية–اللبنانية إحدى أكثر الجبهات حساسية في إعادة تشكيل توازنات المنطقة.
بينما ترى واشنطن أن تشديد الرقابة على الحدود السورية قد يحدّ من تدفق السلاح إلى “حزب الله”، تسعى إسرائيل إلى استثمار التحولات السياسية في دمشق لإعادة صياغة البيئة الأمنية المحيطة بلبنان. في المقابل، تبدو القيادة السورية أكثر تمسكاً بأولوياتها الداخلية، فيما يرفض لبنان بصورة قاطعة أي عودة إلى معادلات التدخل الخارجي، لتبقى الفجوة واسعة بين الطموحات الدولية والإقليمية وبين الوقائع التي تحكم المشهد على الأرض.
تسريبات مدروسة إعلامياً
بدأ الجدل بعدما تداولت وسائل إعلام إسرائيلية، وفي مقدمتها هيئة البث الإسرائيلية العامة “كان”، تسريبات غير مؤكدة نقلها الصحفي روعي كايس عن مصدر أمني سوري مجهول، زعمت وجود فجوة بين الخطاب العلني للقيادة السورية وما يُبحث خلف الكواليس بشأن احتمال اتخاذ خطوات ضد “حزب الله” داخل لبنان بالتنسيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
لكن قراءة هذه التسريبات في سياقها السياسي تجعل التعامل معها بحذر أمراً ضرورياً. فمن غير المستبعد أن تكون جزءاً من أدوات الحرب الإعلامية والنفسية التي تستخدمها إسرائيل لإرباك علاقات دمشق مع حلفائها السابقين، أو لاختبار ردود الفعل الإقليمية والدولية تجاه سيناريوهات لم تتبلور بعد. كما أن غياب أي أدلة ميدانية أو تصريحات رسمية داعمة لهذه الادعاءات يجعلها أقرب إلى رسائل سياسية وإعلامية منها إلى مؤشرات على خطة تنفيذية قائمة.
الرسائل الأمريكية المتباينة
أضفى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعداً سياسياً جديداً على النقاش عندما اعتبر أن الرئيس السوري أحمد الشرع قد يكون “أكثر دقة” من إسرائيل في التعامل مع “حزب الله”، ملمحاً إلى أن قيام دمشق بدور في هذا الملف قد يكون أكثر فاعلية وأقل كلفة من العمليات العسكرية الإسرائيلية واسعة النطاق.
غير أن هذا الخطاب لم يكن منسجماً بالكامل مع مواقف بقية أركان الإدارة الأمريكية. فقد أوضح وزير الخارجية ماركو روبيو أن الأولوية بالنسبة لواشنطن تتمثل في أن تركز سوريا على استقرارها الداخلي وتأمين حدودها مع لبنان ومنع تهريب السلاح، لا في الانخراط بعمليات عسكرية داخل الأراضي اللبنانية. كما أشارت تقارير إعلامية غربية إلى أن الإدارة الأمريكية تواصل في الوقت نفسه ضغوطها على الحكومة الإسرائيلية لتجنّب خطوات قد تؤدي إلى توسع المواجهة الإقليمية، في محاولة للموازنة بين إضعاف “حزب الله” ومنع انفجار شامل في المنطقة.
ويعكس هذا التباين اختلافاً بين الطرح السياسي الذي يقدمه ترامب، والحسابات الأمنية والمؤسساتية التي تتبناها الدوائر الأمريكية المعنية بإدارة ملفات الشرق الأوسط، والتي تدرك أن أي انزلاق عسكري جديد قد ينسف مساعي تثبيت الاستقرار في سوريا ويعيد خلط أوراق المنطقة.
حسابات دمشق الواقعية
جاء الموقف السوري الرسمي أكثر وضوحاً من جميع التكهنات المتداولة، إذ شدد الرئيس أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني في أكثر من مناسبة على أن سوريا لا تنوي إرسال قوات إلى لبنان أو الانخراط في أي مواجهة عسكرية خارج حدودها.
ويستند هذا الموقف إلى اعتبارات استراتيجية تتجاوز الجانب العسكري. الدولة السورية لا تزال تخوض مرحلة إعادة بناء المؤسسات، وإنعاش الاقتصاد، وتعزيز الأمن الداخلي، وإعادة فرض سيادتها على كامل أراضيها. ومن شأن أي تدخل عسكري خارج الحدود أن يستهلك موارد الدولة، ويهدد مسار إعادة الاستقرار، ويعيد إدخال سوريا في صراعات إقليمية تحاول القيادة الجديدة تجنبها.
كما تدرك دمشق أن أي انخراط مباشر ضد “حزب الله” قد ينعكس على علاقاتها مع أطراف إقليمية عدة، وفي مقدمتها إيران، بما قد يعقد عملية إعادة التموضع الدبلوماسي التي تعمل عليها منذ تولي الإدارة الجديدة مسؤولياتها، ويؤثر في جهودها الرامية إلى استعادة حضورها العربي والدولي.
ضبط الحدود أولاً
في المقابل، اتخذت دمشق بالفعل مساراً مختلفاً يتمثل في تشديد الرقابة على الحدود السورية–اللبنانية. فمنذ تولي الإدارة الجديدة مسؤولياتها، أعلنت السلطات السورية في أكثر من مناسبة عن ضبط شحنات من الأسلحة والذخائر كانت معدة للتهريب عبر المعابر غير الشرعية، إضافة إلى توقيف شبكات تنشط في تهريب الأسلحة والمخدرات والبضائع بين البلدين.
وتشير تقارير أمنية وإعلامية إلى أن الحدود السورية–اللبنانية شكّلت خلال سنوات الحرب أحد أبرز الممرات اللوجستية التي استُخدمت لنقل الأسلحة والعتاد إلى “حزب الله” عبر مسارات امتدت من ريف دمشق ومنطقة القصير والقلمون وصولاً إلى الداخل اللبناني. كما نفذت القوات السورية خلال الأشهر الماضية عمليات أمنية استهدفت مستودعات وممرات تستخدمها شبكات التهريب، في إطار حملة أوسع تهدف إلى إنهاء الاقتصاد غير المشروع الذي ازدهر خلال سنوات النزاع.
ولا تنظر دمشق إلى هذه الإجراءات باعتبارها استجابة مباشرة لضغوط أمريكية أو إسرائيلية، بل باعتبارها جزءاً من مشروع استعادة سيادة الدولة واحتكارها السيطرة على الحدود الدولية. في الوقت ذاته، تدرك القيادة السورية أن وقف تدفق الأسلحة عبر أراضيها قد يحقق مكاسب سياسية ودبلوماسية مع الدول العربية والولايات المتحدة، من دون أن يفرض عليها الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة داخل لبنان.
من هذا المنطلق، تحاول دمشق رسم خط فاصل بين منع تهريب السلاح عبر أراضيها وبين الدخول في حرب مع “حزب الله” داخل لبنان، وهي معادلة تبدو حتى الآن الأكثر انسجاماً مع أولوياتها الداخلية.
الرفض اللبناني الواضح
في المقابل، يتمسك لبنان بموقف ثابت يقوم على رفض أي تدخل عسكري خارجي في شؤونه الداخلية، انطلاقاً من تجربة تاريخية معقدة تركت آثاراً عميقة على الحياة السياسية اللبنانية.
وتؤكد الدولة اللبنانية أن معالجة ملف سلاح “حزب الله”، وتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها القراران 1559 و1701، يجب أن تتم عبر المؤسسات الدستورية والأمنية اللبنانية، وبما يحفظ الاستقرار الداخلي ويمنع انزلاق البلاد إلى صدامات جديدة. ويخشى كثير من المسؤولين والمراقبين اللبنانيين أن يؤدي أي تدخل عسكري سوري، مهما كانت مبرراته، إلى إعادة إحياء الانقسامات الداخلية واستحضار ذاكرة الوصاية السورية التي انتهت العام 2005.
المعادلة الإقليمية الجديدة
ترى مراكز أبحاث غربية، وفي مقدمتها “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”، أن فكرة الدفع بسوريا إلى مواجهة مباشرة مع “حزب الله” تنطوي على مخاطر استراتيجية كبيرة. فمثل هذا السيناريو قد يمنح الحزب فرصة لإعادة تعبئة حاضنته الشعبية عبر تصوير الصراع على أنه مواجهة خارجية، بدلاً من بقائه في إطار الضغوط السياسية والعسكرية القائمة.
وفي الوقت نفسه، لا يقتصر الهدف الإسرائيلي على إضعاف القدرات العسكرية لـ”حزب الله”، بل يمتد إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية الممتدة من جنوب سوريا حتى جنوب لبنان، بما يقلل الحاجة إلى عمليات عسكرية إسرائيلية متكررة. إلا أن هذا التصور يصطدم بواقع سياسي مختلف؛ إذ إن سوريا تسعى إلى إعادة الاندماج عربياً ودولياً، فيما تواصل دول عربية دعم جهود استقرارها وإعادة إعمارها، وهو ما يجعل أي مغامرة عسكرية خارجية خياراً شديد الكلفة.
أما إيران، فتنظر إلى أي تغيير جوهري في العلاقة بين دمشق و”حزب الله” باعتباره تحولاً يمسّ توازنات النفوذ الإقليمي، ليس في لبنان فحسب، بل أيضاً في سوريا والعراق، وهو ما يفسر حساسية هذا الملف بالنسبة لجميع الأطراف المنخرطة في معادلات الشرق الأوسط.
دور أمني أوسع
تبدو الضغوط الأمريكية والرغبات الإسرائيلية في دفع دمشق نحو دور أمني أوسع داخل لبنان أكبر من قدرة الواقع على استيعابها. القيادة السورية تدرك أن استعادة الدولة تبدأ من الداخل، ومن إحكام السيطرة على حدودها، وتجفيف مسارات تهريب السلاح، لا من خوض معارك جديدة خارجها.
كما أن لبنان يتمسك بحصرية القرار الأمني والعسكري بيد مؤسساته الشرعية، فيما تبدو واشنطن معنية قبل كل شيء بقطع خطوط الإمداد وتقليص القدرات العسكرية لـ”حزب الله” من دون إشعال حرب إقليمية جديدة. وبين هذه الحسابات المتشابكة، تتحول الحدود السورية–اللبنانية إلى ساحة اختبار لإعادة رسم موازين القوى في المشرق، لكن من دون مؤشرات جدية حتى الآن على استعداد دمشق للانزلاق إلى مواجهة عسكرية تتجاوز حدودها الوطنية.















