تعيد “داعش” بناء مشروعها الجهادي من خارج نموذج “الخلافة” الذي انهار في سوريا والعراق، مستفيدة من فروع إفريقية تنشط في ساحات مفتوحة وتقاتل دولاً ضعيفة وتستقطب، ولو بأعداد محدودة، اهتمام متطرفين غربيين يبحثون عن مسار جديد للانضمام إلى القتال. وبينما فقد التنظيم الأرض التي منحته القدرة على إعلان دولة، يعمل على تحويل الجغرافيا الإفريقية إلى مساحة توفر له ساحات للقتال وبيئات للتجنيد، من دون الحاجة إلى عاصمة أو كيان مركزي.
تكتسب هذه الاستراتيجية أهميتها من فصل فكرة الانضمام إلى التنظيم عن شرط وجود “دولة الخلافة”. فقد بدأت مناطق مثل الصومال والساحل وموزمبيق تظهر في حسابات بعض المتطرفين باعتبارها وجهات محتملة للقتال، على الرغم من بقاء الحالات الغربية محدودة. وبذلك يسعى التنظيم إلى إبقاء فكرة الانضمام إلى مشروعه حاضرة، حتى بعد زوال الكيان الذي منحها زخماً غير مسبوق.
من الخلافة إلى الفروع
غيّرت خسارة الأراضي في العراق وسوريا طبيعة عمل “داعش”، فبدلاً من إدارة مساحة واسعة، أصبح الحفاظ على فروعٍ قادرة على القتال والتمويل والتجنيد وإنتاج الدعاية أولوية مركزية.
توفر البيئات الإفريقية ظروفاً تساعد على ذلك، بفعل اتساع الرقعة الجغرافية وضعف سيطرة الدولة وصعوبة مراقبة الحدود، وتمنح هذه العوامل الجماعات المسلحة قدرة على الحركة وبناء النفوذ.
ولم تعد أهمية الفرع تُقاس بمساحة الأرض التي يسيطر عليها، بل بقدرته على توفير حضور عسكري ودعائي يثبت أن التنظيم ما زال قادراً على خوض الحرب. وكل نجاح ميداني يمكن توظيفه في إعادة إنتاج صورة “داعش” بوصفه تنظيماً قادراً على البقاء رغم الضربات التي تلقاها.
إفريقيا تجذب الخارج
تظهر أهمية هذا المسار في حالات محدودة لكنها لافتة داخل أوروبا، وخصوصاً في فرنسا، حيث بدأت بعض دوائر التطرف تنظر إلى ساحات القتال جنوب الصحراء باعتبارها وجهة ممكنة.
وتبرز قضية مجموعة “تيم مسلم” (Team Musul) باعتبارها الحالة الأكثر دلالة، لأنها تربط مباشرة بين بيئة التطرف في فرنسا وفرع التنظيم في موزمبيق. فقد أُدين ستة شبان فرنسيين بعد تخطيطهم لمغادرة فرنسا إلى إقليم كابو ديلغادو، والانضمام إلى جماعة مرتبطة بالتنظيم تنشط هناك، وتراوحت الأحكام الصادرة بحقهم بين عامين وعشرة أعوام.
تكشف تفاصيل القضية أن الشبان ناقشوا مخططهم عبر مجموعة على تطبيق تيليغرام منذ يناير/كانون الثاني 2024، لتتجاوز الفكرة حدود التعاطف مع الدعاية إلى محاولة وضع مسار عملي للوصول. وبحث أفراد المجموعة في الرحلات الجوية والطريق المؤدي إلى مناطق النشاط المسلح، فيما حاول أحد أبرز المحرّضين إرشاد الآخرين إلى كابو ديلغادو، بل تواصلوا مع شخص قيل إنه موجود على الأرض.
ولا تعني القضية أن موزمبيق تحولت إلى وجهة اعتيادية للمتطرفين الفرنسيين؛ فالحالة استثنائية، كما أن أياً من أفراد المجموعة لم يصل إليها. لكن قيمتها تكمن في أن منطقة بعيدة جغرافياً دخلت حسابات متطرفين أوروبيين باعتبارها مكاناً ممكناً للقتال، وهو ما يوضح اتساع المجال الذي تستطيع فروع التنظيم من خلاله مخاطبة جمهور خارجي.
وتدعم دراسة للمركز الدولي لمكافحة الإرهاب هذا المؤشر خارج الحالة الفرنسية، إذ رصدت بين 2019 و2026 خمساً وعشرين حالة شملت 36 شخصاً من أوروبا والولايات المتحدة أبدوا اهتماماً أو خططوا أو حاولوا الوصول إلى إفريقيا جنوب الصحراء للانضمام إلى جماعات جهادية. وجاء الصومال في مقدمة الوجهات، تلاه الساحل ثم موزمبيق. ومع ذلك، تؤكد الدراسة أن التدفقات الغربية لا تزال محدودة مقارنة بالتدفقات داخل إفريقيا، وأن معظم الحالات لم تنتهِ بوصول فعلي.
المقاتل الأجنبي يتغير
كان المقاتل الأجنبي في ذروة “داعش” يتجه أساساً إلى سوريا والعراق للانضمام إلى دولة معلنة تملك مؤسسات وأرضاً وقيادة مركزية. أما اليوم، فيمكن أن يكون الهدف فرعاً محلياً نشطاً في ساحة صراع بعيدة.
يمنح انتشار الفروع التنظيمَ مساحة أوسع للحركة، ويخفف اعتماده على مركز جغرافي واحد. ويمكن للشخص الذي يبحث عن القتال، نظرياً، الارتباط بأحد هذه الفروع، حيث تدور مواجهة مسلحة فعلية غفي ظل بيئة تنظيمية قادرة على استقباله، حتى من دون وجود دولة معلنة.
وتعزز الدعاية هذا المسار. ففي فبراير/شباط الماضي، دعا المتحدث باسم “داعش” أبو حذيفة الأنصاري الشباب المسلمين إلى التوجه نحو فروع التنظيم، في خطاب يؤكد استمرار الدعوة إلى الانضمام رغم انهيار “الخلافة” الإقليمية. وتخدم الفروع النشطة هذا الخطاب لأنها تمنح الدعوة بعداً عملياً يتجاوز مجرد الاستقطاب الإلكتروني.
أوروبا أمام خريطة جديدة
تواجه أوروبا نتيجة ذلك خريطة أمنية أكثر تعقيداً، إذ كان مسار المقاتلين الأجانب في مرحلة “داعش” الأولى مرتبطاً أساساً بسوريا والعراق، بينما تتوزع الوجهات المحتملة اليوم بين مناطق متباعدة، لكل منها حدودها ومساراتها وشروطها المحلية.
ولا تنتهي المشكلة عند الوصول، فالقضية الفرنسية توضح أن محاولة المغادرة بحد ذاتها يمكن أن تشكل مؤشراً أمنياً؛ إذ ظهرت خلال التحقيقات مؤشرات على ارتباط أحد أفراد المجموعة بمشروع عنيف داخل فرنسا، فيما تعامل بعض أفرادها مع السفر باعتباره خياراً بديلاً عن تنفيذ العنف محلياً.
تفرض هذه المعطيات على الأجهزة الأوروبية التعامل مع مسارات مختلفة بدلاً من التركيز على وجهة واحدة. كما أن طبيعة كل فرع تختلف عن الآخر، سواء من حيث بنيته العسكرية أو علاقته بالسكان أو صراعه مع الجماعات المنافسة، ما يجعل التهديد متعدد الأشكال، لا مجرد امتداد مباشر للتجربة السورية.
مشروع بلا عاصمة
تراهن “داعش” في نهاية المطاف على صيغة تستطيع العمل من دون مركز واحد. إن وجود فروع متباعدة يسمح لها بتوزيع المخاطر، والاستفادة من هشاشة الدول المحلية، والإبقاء على حضور عسكري حتى عندما تتعرض إحدى مناطق نشاطها لضغط شديد.
وفي الساحل تحديداً، تضيف المنافسة مع الجماعات الجهادية الأخرى بعداً مهماً، إذ تخوض “داعش” مواجهة مع الحكومات، وفي الوقت نفسه تنافس على الأرض والموارد والأنصار. في الصومال وموزمبيق، توفر الصراعات المحلية ظروفاً مختلفة تسمح باستمرار النشاط المسلح رغم الضغوط الأمنية.
المسألة، إذاً، ليست أن “داعش” وجدت “سوريا جديدة” في إفريقيا؛ الأدلة الحالية لا تدعم ذلك. الأهم أن التنظيم يُعيد تعريف وظيفة فروعه، محولاً إياها من أذرع محلية إلى مراكز للقتال والاستقطاب والدعاية، تستطيع إبقاء المشروع قائماً خارج الدولة التي فقدها. ويصبح الخطر مرتبطاً أيضاً بقدرة التنظيم على جعل مناطق القتال البعيدة جزءاً من مخيّلة المتطرفين خارج القارة. إن قضية المجموعة الفرنسية لا تثبت وجود موجة غربية، لكنها تشير إلى أن انهيار “الخلافة” لم يُنهِ فكرة الالتحاق بالتنظيم؛ بل غيّر الجغرافيا التي يمكن أن تبحث فيها هذه الفكرة عن طريق إلى الميدان.















