بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

من القواعد إلى طرق الإمداد.. الجماعات الجهادية تستنزف قدرة الدولة على بسط نفوذها في الساحل الأفريقي

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تنقل “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” وتنظيم “داعش” في الساحل المعركة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر من استنزاف القوات إلى استنزاف قدرة الدولة نفسها على العمل. لم يعد الهدف محصوراً في مهاجمة قاعدة أو قتل جنود، بل يتجه بصورة متزايدة إلى ضرب ما تحتاجه الدولة كي تتحرك: الوقود والطرق والقوافل والممرات التجارية والقواعد المتقدمة التي تربط المركز بالأطراف.

يمنح هذا التحول الحرب بُعداً لوجستياً يتجاوز المواجهة المباشرة، إذ تستغل الجماعتان اتساع المساحات وطول خطوط الإمداد وتشعب الحدود ومحدودية الطرق الحيوية لتحويل الجغرافيا إلى أداة ضغط مستمرة. قد تمتلك الدولة قوات وسلاحاً، لكنها تفقد جزءاً كبيراً من قدرتها على استخدامهما إذا عجزت عن إيصال الوقود إلى قاعدة بعيدة، أو تأمين المسار المؤدي إليها، أو إبقاء المدن والأسواق متصلة بمراكز القرار. عندها تصبح المسافة عاملاً في الاستنزاف، والمعابر نقاط اختناق، والأطراف مساحات يصعب تثبيت الحضور الحكومي فيها.

الجغرافيا.. سلاح ضغط

تستفيد الجماعات الجهادية المتطرفة من حقيقة أساسية في جغرافيا الساحل، وهي أن الدولة مطالبة بحماية مساحة شاسعة، بينما تحتاج الجماعة المسلحة إلى تعطيل عدد محدود من النقاط الحيوية كي ترفع تكلفة بسط السلطة على المجال بأكمله.

تُقدم مالي المثال الأكثر وضوحاً. البلاد غير ساحلية ولا تنتج النفط، وتعتمد على طرق محددة لإدخال الوقود من دول الجوار. ومنذ إعلان “نصرة الإسلام والمسلمين” في سبتمبر/أيلول 2025 استهداف حركة شاحنات الوقود، تحولت الطرق المؤدية إلى باماكو إلى جزء من ساحة المعركة. وتشير التقديرات إلى تدمير أكثر من 300 ناقلة، في وقت كانت البلاد تستقبل آلاف الشاحنات شهرياً.

اضطرت السلطات إلى تحويل نقل الوقود إلى عملية عسكرية، مع مرافقة الجيش وقوات الفيلق الإفريقي الروسي وطائرات مسيّرة تركية للقوافل. ووصلت مئات القوافل إلى باماكو تحت الحماية المسلحة، لكن النتيجة نفسها تعكس حجم العبء الذي فرضته “الجماعة” على الدولة: مسار اقتصادي اعتيادي أصبح يحتاج إلى حماية عسكرية حتى يؤدي وظيفته الأساسية.

وتزداد خطورة هذا النمط عندما تتحول طرق العبور إلى مصدر تمويل ونفوذ. ففرض مبالغ مالية مقابل المرور في المناطق الخطرة يعني أن الجماعة المسلحة لا تعطل النشاط الاقتصادي فحسب، بل تستطيع تحويل نقاط الاختناق إلى مورد مستمر.

المسافة تستنزف الدولة

لا تقتصر المسألة على حماية مسار أو منشأة بعينها. فكلما اتسعت المسافة بين المركز والمناطق الطرفية، زادت الموارد اللازمة لإبقاء السلطة حاضرة فيها. تحتاج القاعدة البعيدة إلى وقود وغذاء وذخيرة وقطع غيار وأفراد، وكل عنصر من هذه المنظومة يعتمد على قدرة الدولة على تأمين الوصول إليه.

جاء الهجوم على معسكر ديورا في وسط مالي في سبتمبر/أيلول الماضي، والذي تجاوزت حصيلة قتلاه 100 جندي وفق تقديرات محلية وأمنية، في سياق ضغط الجماعات المسلحة على طرق الإمداد وحركة النقل.

تظهر المشكلة بصورة أوضح في بوركينا فاسو. فقد تتمكن القوات الحكومية من دخول منطقة أو استعادة موقع، لكن الوجود الميداني لا يتحول تلقائياً إلى سلطة مستدامة. فإذا تعذر إبقاء القوات في المكان، وتأمين الوصول إليه، وحماية الموظفين، وضمان عودة النشاط التجاري، تستطيع الجماعات المسلحة إعادة بناء نفوذها بعد انسحاب القوة الحكومية.

لا تكفي الخريطة العسكرية لقياس نطاق السيطرة. فالمنطقة التي تحتاج إلى قوة كبيرة لحماية الوصول إليها، أو إلى ترتيبات أمنية استثنائية لإبقاء الحضور الحكومي فيها، تظل عبئاً على الدولة حتى لو كانت مؤسساتها تضعها ضمن نطاق نفوذها الرسمي.

الحدود تصنع جبهات

تمنح الحدود المفتوحة بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر الجماعات المسلحة ميزة إضافية، لأن الضغط على دولة واحدة يمكن أن يرتبط بالحركة عبر أكثر من مسار جغرافي.

في النيجر، أظهرت هجمات سبتمبر هذه الخاصية بوضوح. فقد استهدفت عمليتان في الغرب والجنوب الغربي قوات أمنية، إحداهما قرب أبالا-فيلينغيه على مقربة من الحدود مع مالي، والأخرى في بيرني نكوني قرب الحدود مع نيجيريا، وأسفرت الثانية عن مقتل أكثر من 30 جندياً. ويعني توزيع الهجمات على محورين مختلفين أن الدولة مطالبة بتوزيع قواتها على مساحة أوسع، بينما تستطيع الجماعات المسلحة تغيير اتجاه الضغط والاستفادة من المناطق الطرفية.

ولا تعمل “نصرة الإسلام والمسلمين” و”داعش” وفق استراتيجية واحدة؛ لأن الجماعتين بينهما صراع على الأرض والمجتمعات والموارد. لكن التنافس لم يلغ استفادتهما من ضعف قدرة الدولة على تثبيت وجود مستدام خارج المراكز الحضرية.

تظهر أهمية هذا العامل في منطقة المثلث الحدودي بين النيجر وبنين ونيجيريا، حيث ارتفع عدد حوادث الجماعات المسلحة، وفقاً لمشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها، بنسبة كبيرة خلال 2025 مقارنة بالعام السابق، مع تضاعف أعداد القتلى إلى أكثر من ألف شخص. وتحول هذا المجال الحدودي إلى مساحة تتقاطع فيها خطوط الحركة والتهريب والتمركز والهجمات، ما يصعّب على الدولة بناء جبهة أمنية ثابتة.

تعطيل الدولة هدفاً

تتجاوز الاستراتيجية الجهادية في الساحل فكرة الاستيلاء على الأرض إلى محاولة جعل ممارسة السلطة عليها أكثر كلفة. إن استهداف طرق النقل يضغط على الاقتصاد، وتهديد المنشآت البعيدة يستهلك القوات، والتمركز قرب الحدود يفرض توزيعاً أوسع للموارد، بينما يؤدي اضطراب حركة التجارة إلى مضاعفة آثار الضغط الأمني.

الجماعات الجهادية لا تحتاج إلى السيطرة على كامل الأرض لإضعاف الدولة؛ يكفي أن تجعل ممارسة السلطة عليها أكثر صعوبة وأعلى كلفة. ومع اضطرار القوات إلى تأمين تحركاتها، وتحول نقل الإمدادات إلى مهمة عسكرية، واحتياج المواقع النائية إلى موارد متزايدة، يتغير دور الدولة تدريجياً من توسيع حضورها إلى حماية قدرتها على الحفاظ عليه.

وتصبح المعادلة أكثر تعقيداً عندما تتزامن الضغوط العسكرية مع اضطراب الأسواق والطاقة والمياه والكهرباء وحركة التجارة. عندها لا يعود أثر الهجمات محصوراً في الخسائر البشرية، بل يمتد إلى الوظائف الأساسية التي تقيس من خلالها المجتمعات قدرة مؤسسات الدولة على العمل.

من يملك الأرض ومن يستطيع استخدامها

المؤشر الأكثر دلالة في هذه الحرب ليس عدد القواعد التي تحتفظ بها الحكومات أو المساحات الملونة على الخرائط، بل قدرة المؤسسات على الوصول إلى أطرافها، وإمداد قواتها، وحماية طرقها، وإبقاء مدنها ومناطقها الطرفية متصلة بمركز القرار. فحين تتحول الطرق إلى ساحات قتال، والإمدادات إلى عمليات عسكرية، والحدود إلى ممرات مفتوحة للخصوم، لا تفقد الدولة الأرض دفعة واحدة، بل ترتفع كلفة استخدامها إلى مستوى يحد من قدرتها على ممارسة سلطتها.

الفارق الأهم في حرب الساحل يتمثل في تحويل الجغرافيا من مساحة يُفترض أن تمارس الدولة سيادتها عليها إلى شبكة ضغط تستنزف قدرتها على الحركة، وتعيد تعريف السيطرة نفسها من سؤال “من يملك الأرض؟” إلى سؤال أكثر حساسية: “من يستطيع استخدام الأرض، وبأي تكلفة؟”