مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

مقالات مشابهة

تعبئة نفسية (2-2)

من “الفن البديل” إلى سلاح دعائي.. كيف وظّف “داعش” الأنشودة الدينية في صناعة الهوية وتطبيع العنف

مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

لم يتعامل تنظيم “داعش” مع الأنشودة الدينية بوصفها عملاً فنياً أو وسيلة ترفيه، بل حوّلها إلى أداة مركزية في منظومته الدعائية وحربه الفكرية، فقد أدرك التنظيم المتطرف مدى تأثير الكلمات وقدرتها على تجاوز الحواجز العقلية، وصناعة حالة وجدانية تُمهّد لتقبّل الأفكار المتطرفة وتبرير العنف، وتضفي هالة بطولية على مشروعه الحركي والتنظيمي.

اعتمد تنظيم “داعش” على ما يُعرف بـ”الأنشودة الجهادية”، الخالية غالباً من الآلات الموسيقية، انسجاماً مع تفسيره الديني المتطرف، ولم تكن هذه الأناشيد تُقدَّم بصورة مستقلة، بل ارتبطت بمقاطع الفيديو الدعائية التي تُظهر مشاهد التدريب والقتال والاستعراضات العسكرية، بما يمنح الصورة هالة وبعداً تعبوياً ورمزياً، ويضفي نوعاً من القوة على التنظيم واتباعه.

وظّف تنظيم داعش “الأنشودة الدينية” في بناء الهوية الجمعية، التي تقوم على ثنائية “نحن” و”هم”، معتمداً على مفردات مثل الخلافة، والجهاد، والتمكين، والبيعة، والشهادة، والطاغوت، والولاء والبراء..  بهدف تحويل المفاهيم الأيديولوجية إلى قاموس وجداني يسهم في تعزيز شعورهم بالانتماء إلى كيان قوي عابر للحدود والقارات.

التطبيع مع العنف

لعبت “الأناشيد الجهادية” دوراً بالغ الخطورة في إعادة صياغة صورة العنف داخل العقل الجمعي، فبدلاً من تقديم القتل بوصفه جريمة، تم تصويره باعتباره بطولة وتضحية وانتصاراً للدين، في حين صُوِّرت العمليات الانتحارية باعتبارها طريقاً إلى المجد والخلود، ومن خلالها تم إضفاء الشرعية على الممارسات الدموية.

برز استغلال “الأنشودة الدينية” من قبل تيارات الإسلام الحركي في مرحلة ما يعرف بـ “الصحوة الإسلامية” في سبعينيات القرن الماضي، وما تلاها من مرحلة “الجهاد الأفغاني”، التي انتشر معها مفهوم “الصرخة البكائية”، وتصدّرها المنشد “أبو دجانة الشامي” الذي أصدر خمسة أشرطة، تجلت فيها نظرة “المظلومية” التي صدّرتها الحركة الإسلاموية في تلك المرحلة.

يُعد ألبوم “قوافل الشهداء”، الذي أصدره المنشد “محمد الحبشي” الملقب بأبي الزبير المدني، من أوائل الألبومات الجهادية. صدر عام 1990 وتضمن 12 نشيداً، وقد لاقى شهرة وقبولاً في أوساط الإسلام الحركي، وقد شارك أبو الزبير في القتال في أفغانستان، وقُتل في البوسنة خلال معركة سراييفو.

يُذكر أن “المجاهدين الأفغان”، استعانوا بأناشيد “الإخوان المسلمين” التي ظهرت مع تأسيس الجماعة على يد حسن البنا عام 1928، في إطار تقديم ما يسمى بـ”الفن البديل” عن الغناء التقليدي، كنوع من الاختراق المجتمعي، مثل “سنخوض معاركنا معهم”، ونشيد “غرباء” الذي ألفه وأنشده سيد قطب خلال محاكمته، وأعيد إنشاده في مناسبة شبيهة من قبل أعضاء من جماعة “الجهاد” الإسلامية خلال محاكمتهم عام 1993، على خلفية اغتيال رفعت محجوب، رئيس مجلس الشعب المصري آنذاك، ونشيد “اقتلوني مزقوني أغرقوني في دمائي”، الذي كتبه الإخواني السوري مروان حديد.

كما أنتج تنظيم “القاعدة” في اليمن أول ألبوم له في عام 2010، وحمل عنوان “مع الخالدين”، ومعه برز عدد من منشدي التنظيم من أمثال أبو أسامة الحضرمي، أبو خطاب البنشي، أبو مالك الشامي، أبو بكر الحضرمي، أبو يوسف الوقاري، خولان الصنعاني، وأبو هاجر الحضرمي.

ومن أشهر الأناشيد التي وظفها تنظيم “داعش”، “يا غربتي”، و”أودعكم بدمعات العيون”، و”نامت عيونكم”، و”أمتي قد لاح فجر”، و”قالو إنها وعد”، و”نحن عصبة الأسد”، و”هبت الريح قوية”، “الرعب من الخلافة”، و”القول قول الصوارم”، و”صليل الصوارم”، و”نشيد الأباة”، و”إذا تهاون الرجال فالنساء لها”، “وحيّ على الجهاد”، و”سلكت طريقي ولا لن أحيد”، و”تقدم أُخَيَّ لسود الجبال، تقدم إلى الموت ثم اقتحم”. 

خلال تلك المرحلة استولى تيار الإسلام الحركي على عدد من الألحان الموسيقية و”القصائد الغنائية” لعدد من الفنانين العرب، بهدف تحويل الكلمات وتوظيفها في صناعة “الأناشيد الجهادية”، ومن أشهر “المسروقات” قصيدة “علم العروبة” التي أُنتجت عام 1956، وكتبها ولحنها وغناها محمد سلمان، خلال العدوان الثلاثي على مصر، وجاء فيها: “لبيك يا علم العروبة كلنا نفدي الحمى.. لبيك واجعل من جماجمنا لعزك سلما”، لتتحول لدى الإسلامويين إلى “لبيك إسلام البطولة كلنا نفدي الحمى”.

التجنيد الرقمي والحرب النفسية

مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، تحولت الأناشيد إلى أحد أكثر منتجات داعش انتشاراً في الفضاء الإلكتروني، فقد أنتج التنظيم عشرات الإصدارات بلغات متعددة عبر مؤسساته الإعلامية، أبرزها “أجناد”، واستهدف بها الشباب في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا. وكانت المقاطع القصيرة سهلة التداول، بما يسمح بوصول الرسالة الدعائية إلى جمهور واسع من دون الحاجة إلى مواد خطابية طويلة أو نصوص فقهية معقدة.

لم تُوجَّه الأناشيد إلى أنصار التنظيم وحدهم، بل استُخدمت أيضاً في الحرب النفسية ضد الخصوم، إذ صاحبت مشاهد الإعدام والاستعراضات العسكرية أناشيد ذات إيقاع حاد وكلمات تتوعد الأعداء، بهدف بث الرعب وإظهار التنظيم بمظهر القوة التي لا تُهزم. وبهذا أصبحت الأنشودة جزءاً من منظومة الردع الإعلامي، إلى جانب الصورة والإخراج السينمائي.

الأناشيد.. سلاح ناعم للتطرف والاستقطاب

تشير الدكتورة ياسمين فراج، أستاذة النقد الموسيقي في المعهد العالي للنقد الفني في القاهرة، في كتابها “دراسات في النقد الموسيقي”، إلى كيف يقوم الإرهابيون باستخدام الأغاني كأسلحة، عبر ترويج أناشيد تحرض على القتل والاحتلال والنهب، وتؤكد أنهم طوروا الطريقة التي ينشرون بها فكرهم المتطرف خلال السنوات الماضية، إذ أصبحت “حرب الفن” ضمن أولويات التنظيمات الجهادية، لافتة إلى أن هذه الأغنيات انتشرت بشكل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد أقدمت الباحثة على دراسة ثلاث أغنيات، هي “صليل الصوارم” من إنتاج مؤسسة أجناد للإنتاج الإعلامي عام 2014، ونشيد “قد عزمنا” من إنتاج مؤسسة البراق للإنتاج الإعلامي عام 2015، و”أتينا نملأ الآفاق رعباً”، من إنتاج مؤسسة Artman عام 2016، وبينت أن هذه الأغنيات مليئة بكلمات تؤيد العنف والقتل، وتستهدف بث الحماسة في نفوس عناصر التنظيم، مؤكدة أن خطورة هذه الأغنيات لا تقل عن خطورة الجرائم الإرهابية.

وأكدت الدكتورة أمال قرامي، أستاذة الآداب والفنون والإنسانيات، بجامعة منوبة بتونس، في دراستها “دور الأناشيد الجهادية في الاستقطاب الرقمي”، أن المختصين الغربيين في الدراسات الأمنية ودراسات الإرهاب ودراسات التطرف العنيف والسلمي، ركزوا بحوثهم في السنوات الأخيرة، على تحليل هذه الأناشيد، وبينوا أن القيادات “الجهادية التنظيمية”، اعتمدت هذه الأداة في الدعاية والاستقطاب للتأثير في سلوك الشبان والمراهقين، والتلاعب بعقولهم، والتحكم في بنيتهم النفسية؛ حتى يتخذوا قرار الانتماء إلى الأيديولوجيا الجهادية، أو الهجرة إلى “دولة الخلافة”؛ لينقادوا وراء الأمراء عن “طواعية”، ويَطَّبَّعُوا مع العنف.

تكشف تجربة “داعش” أن “الأنشودة الدينية”، لم تكن عنصراً هامشياً في دعايته، بل كانت سلاحاً ناعماً ضمن أدوات الحرب الفكرية، وأسهمت كذلك في صناعة الهوية والانتماء، وتعبئة المشاعر، والتطبيع مع العنف، وتسهيل عمليات التجنيد والاستقطاب وبناء القاعدة التنظيمية.