بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

مقالات مشابهة

أدب عربي

الجزائري سعيد خطيبي يفوز بجائزة البوكر العربية 2026.. سردٌ يفكّك الجريمة بوصفها ذاكرة

بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

تُوّج الروائي الجزائري سعيد خطيبي بالجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2026 عن روايته “أغالب مجرى النهر”، في فوز يعكس مساراً أدبياً متصاعداً يزاوج بين الرواية البوليسية والتحليل التاريخي، ويضع الذاكرة الجماعية في قلب البناء السردي.

بحسب International Prize for Arabic Fiction، تدور الرواية في الجزائر حول طبيبة عيون وزوجها المتورطين في شبكة لسرقة القرنيات، ضمن حبكة تمتد زمنياً من الحرب العالمية الثانية إلى بدايات التسعينيات، وتربط بين الجسد الفردي وإرث العنف والتحولات السياسية.

مسار يتصاعد بثبات

ينتمي خطيبي (مواليد 1984) إلى جيل روائي جزائري برز خلال العقدين الأخيرين، ودرس الأدب الفرنسي في الجزائر قبل أن يتابع دراسات ثقافية في باريس، كما عمل في الصحافة منذ عام 2006، وهو ما انعكس على كتابته التي تمزج الحس التوثيقي بالاشتغال السردي.

برز اسمه تدريجياً عبر أعمال روائية وبحثية، من بينها “كتاب الخطايا” (2013)، و”أربعون عاماً في انتظار إيزابيل” (2016) الفائزة بجائزة “كتارا”، ثم رواية “حطب سراييفو” (2018) التي بلغت القائمة القصيرة للجائزة عام 2020.

في عام 2022، عزز حضوره عبر رواية “نهاية الصحراء” التي فازت بجائزة الشيخ زايد للكتاب (فرع المؤلف الشاب)، في عمل استعاد مدينة بوسعادة بوصفها فضاءً لذاكرة مثقلة بالتحولات السياسية والاجتماعية.

كتابة الجريمة خارج قالبها التقليدي

يُقدّم خطيبي في أعماله تصوراً مختلفاً للرواية البوليسية، حيث تتحول الجريمة من عنصر تشويقي إلى أداة تحليل اجتماعي وتاريخي، تستكشف البنية العميقة للمجتمع.

في هذا السياق، يؤكد في حوارات منشورة أن اهتمامه ينصب على فهم السياقات التي تنتج الجريمة، معتبراً أن السرد يمكن أن يكشف “ما يخفيه التاريخ الرسمي وما تتركه التحولات الكبرى في حياة الناس”.

تظهر هذه المقاربة بوضوح في أعماله، إذ أقام في “حطب سراييفو” موازاة بين الحرب الأهلية الجزائرية ونظيرتها في البوسنة، بينما أعاد في “نهاية الصحراء” قراءة مرحلة ما قبل “العشرية السوداء”، وصولاً إلى روايته الأخيرة التي تربط بين تجارة الأعضاء والتحولات الأخلاقية والسياسية.

أُفق عابر للحدود

لا يقتصر عالم خطيبي على الجزائر، بل يمتد إلى فضاءات أوروبية، خصوصاً البلقان، في مقاربة تعكس اهتمامه بالمقارنات الثقافية وتجارب المنفى، ويكتب بالعربية والفرنسية، ويعمل في الترجمة، وشارك في مشاريع ثقافية متعددة، وهو ما ينعكس في تعددية صوته السردي وانفتاحه على تجارب إنسانية متقاطعة.

يُمثل فوز خطيبي بالجائزة لعام 2026 محطة مفصلية في مسيرته، ويعزز حضور الرواية الجزائرية في المشهد العربي، خصوصاً في اتجاه الأعمال التي تمزج بين السرد الأدبي والتحليل التاريخي.

كما يأتي هذا التتويج بعد مسار تصاعدي واضح، بدأ بجوائز عربية، مروراً بالوصول إلى القوائم القصيرة، وصولاً إلى الفوز بالجائزة الأبرز للرواية العربية، ما يكرّس مكانته كأحد أبرز أصوات جيله.

يعكس فوز سعيد خطيبي تحوّلاً في الرواية العربية نحو نصوص تشتبك مع التاريخ بوصفه مادة حية، حيث تتحول الجريمة إلى مدخل لفهم المجتمع، وتصبح الذاكرة عنصراً مركزياً في إعادة قراءة الحاضر.