انضم محمد حسين تركمان إلى الحرس الثوري الإيراني خلال سنوات دراسته الجامعية، وعمل ضابطاً في جهاز الاستخبارات، ليصبح لاحقاً أحد المقربين من المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي قُتل في غارة جوية إسرائيلية أمريكية في 28 فبراير/شباط 2026. كما التقى مراراً مُجتبى، نجل خامنئي وخليفته في المنصب.
بعد أن راجع دوره وندم على وجوده في الحرس الثوري، انشق تركمان عام 2010، مؤكداً أنه لم يعد قادراً على تحمّل العنف المُمنهج الذي يمارسه النظام الإيراني. ومنذ فراره من إيران، تعرض لعدة محاولات اغتيال، إذ لا يغفر الحرس الثوري لمن يعتبرهم خونة.
نادراً ما يتحدث تركمان علناً، لكنه وافق على اللقاء بنا وإجراء هذا الحوار الخاص مع “غلوبال ووتش عربية”. لتُسلّط شهادته الضوء على الاستراتيجيات والأساليب التي تستخدمها أجهزة الاستخبارات الإيرانية للتأثير في الغرب.
فيما يلي نص الحوار:
– عملتَ إلى جانب المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي اغتيل في 28 فبراير من العام الجاري. ما طبيعة مهمتك؟
– محمد حسين تركمان: تمثلت مهمتي في تأمين تحركاته. لقد كنت مسؤولاً عن تحديد مسارات تنقله، ورصد المواقع التي تتطلب حماية. وبحكم معرفتي الوثيقة به، أستطيع الجزم بأنه كان يتمتع بثلاث شخصيات متمايزة.
لو أردنا الحديث عن علي خامنئي بصفته رب أسرة، يمكن القول إنه كان رجلاً صالحاً يتمتع بشخصية ودودة للغاية. لكن بصفته زعيماً روحياً، لم يكن يحظى باحترام كبير من علماء الدين، لافتقاره إلى الدقة وعدم امتلاكه المستوى العلمي اللازم. وعلى الرغم من أنه كان يتحدث عن التعاليم الدينية، لم يكن يمتلك فهماً عميقاً للدين.
أما بصفته قائداً للنظام، كان خامنئي ديكتاتوراً حقيقياً، يتخذ بنفسه جميع القرارات الكبرى، ويدير الأمور عبر خمسة مستويات هرمية. لقد مارس سلطة متفردة واستبدادية، ولم يعترف بصلاحيات الرئيس أو الوزراء. عندما كان يريد إصدار أمر أو توجيه، كان يتواصل مباشرة مع الأشخاص المعنيين داخل المؤسسات الحكومية، متجاوزاً الوزراء وحتى القادة العسكريين.
ولهذا السبب، ظل النظام صامداً حتى اليوم، رغم تصفية عدد من القادة العسكريين. فهو يعرف كيف يدير الأمور عبر قنوات بسيطة ومباشرة.
– هل التقيتَ مُجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى السابق؟ من هو؟
– نعم، التقيت مُجتبى خامنئي في مناسبات وسياقات عدة، وعملت معه في كثير من العمليات الأمنية، كما رافقته في رحلات مختلفة داخل البلاد.
قبل نحو عام من مغادرتي إيران، كان قد بدأ تدريس دروس “فقه الخارج”، وهي مرحلة متقدمة من الدراسات الفقهية. كان يحضر دروسه عدد كبير من الأشخاص، يُرجح أن كثيرين منهم كانوا يُهيّئون أنفسهم لتولي مناصب في إدارة مستقبلية تحت قيادته، وهو سلوك متوقع تماماً.
من وجهة نظري، هو شخصية ذات توجه أمني وعسكري بالدرجة الأولى، وقد تشكَّل تعليمه وتدريبه بوضوح في هذا الاتجاه. وكان علي أصغر مير حجازي، الذي لعب دوراً رئيسياً في تدريبه على شؤون الاستخبارات، يسعى باستمرار إلى ترسيخ صورة مُجتبى بوصفه شخصية مهيمنة لا ينافسها أحد.
وفي السنوات الأخيرة، يُقال إن مُجتبى أنشأ هيكلاً تنظيمياً سرياً، بالغ التأثير، عُرف باسم “المكتب المركزي” (دفتر مركز)، وكان بمثابة منصة إعداد لتولي السلطة بعد والده. وكان المكتب يهدف إلى إدارة نفوذ خامنئي الابن الممتد داخل المؤسسات الإيرانية والتدخل في شؤون الدولة، بما في ذلك التعيينات والإقالات للمسؤولين في جميع المستويات الحكومية والقطاعات الأمنية والاستخباراتية.
وغالباً ما كانت هذه التحركات تُقدَّم على أنها قرارات إدارية اعتيادية، إلى درجة أن مكتب المرشد الأعلى أصبح ينظر إليه باعتباره منخرطاً بصورة منهجية في هذه التغييرات.
بشكل عام، صُممت شبكة الأمن والنفوذ، التي أحكم مُجتبى قبضته من خلالها على الأجهزة العسكرية والاستخباراتية، داخل مكتب المرشد الأعلى خلال فترة حكم والده، ونُفّذت عملياتها بدقة واهتمام بالغين.
– صُدم العالم بالمجازر التي استهدفت المدنيين في إيران يومي 8 و9 يناير، ونفذتها ميليشيا الباسيج، الجناح المدني وقوة الطوارئ التابعة للحرس الثوري الإسلامي، ووحدات أخرى موالية للنظام. ما طبيعة الأشخاص الذين ينضمون إلى الأجهزة الأمنية الإيرانية؟
– ينضم كثير من الأشخاص الذين يواجهون صعوبات في التحصيل الدراسي إلى الأجهزة القمعية. ويبدأ تجنيدهم منذ المدرسة أو الجامعة عبر “الباسيج”، الميليشيا المدنية التابعة للحرس الثوري الإسلامي.
وهناك فئة أخرى تضم طلاباً متفوقين للغاية، يحتلون مراتب متقدمة ضمن أفضل ألف طالب على مستوى البلاد في امتحان القبول الجامعي. وقد يتكفل الحرس الثوري بتمويل دراستهم، مقابل إلزامهم بالانضمام إلى المنظومة. وكنت واحداً من هؤلاء.
– عملتَ في استخبارات الحرس الثوري.. كيف تُنظّم هذه الأجهزة؟
– عندما نتحدث عن أجهزة الاستخبارات الإيرانية العاملة داخل البلاد، فإننا نتحدث عن 17 جهازاً تعمل بالتوازي. أما في الخارج، فتوجد وحدات متخصصة. على سبيل المثال، تتولى “الوحدة 110” شؤون الدول العربية. في حين تمتد مهام فيلق القدس، وهو الجناح النخبوي للحرس الثوري المسؤول عن العمليات الخارجية، من الهند إلى إسرائيل، ويتولى إدارة الأنشطة بصورة مستقلة.
وفي أوروبا وغيرها من الدول الديمقراطية، لا يعمل فيلق القدس وفق منطق عسكري. بل يحدد الشخصيات المؤثرة وأبناءها، ثم يجري تحليلاً مفصلاً عنهم يشمل مواردهم ومعتقداتهم ودياناتهم وشبكات علاقاتهم. ومن خلال القنوات الدينية، بما فيها الكنائس، يمكنه التواصل معهم.
– كيف تنظم أجهزة الاستخبارات الإيرانية عمليات التأثير في الغرب؟
– كل عام، تُجري أجهزة الاستخبارات الأجنبية تقييمات لتحديد الشخصيات الأكثر نفوذاً من الناحية السياسية في البلدان المستهدفة. وقد ينتمي هؤلاء الأشخاص إلى أحزاب المعارضة أو إلى الأغلبية الحاكمة.
وبالطبع، تخضع علاقاتهم وشبكاتهم لتحليل عميق. ولتجنيدهم، تستخدم الأجهزة الإيرانية الحوافز المالية أو الابتزاز، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بعلاقات خارج إطار الزواج، كما تستعين بشبكات الضغط السياسي واللوبيات.
يوجد في إيران مليونا شخص متخصصون في عمليات التأثير الخارجي، يركزون على مجموعات من الأشخاص قد تربطهم صلات بأحد الأهداف المنشودة. يدققون بعناية في حياة ذلك الهدف وعاداته، ثم يحددون الاستراتيجية المناسبة استناداً إلى المعلومات التي يجمعونها.
ومن أكثر الأساليب شيوعاً في الدول الديمقراطية الفساد المالي. إذ تُفتح حسابات مصرفية خارجية تُودع فيها أموال غير مشروعة باسم الشخص المستهدف أو بأسماء أقاربه، بمن فيهم أبناؤه، ما يتيح لاحقاً وسيلة للضغط أو الإكراه.
في فرنسا وحدها، يتراوح عدد المجموعات الناشطة في عمليات التأثير والاستقطاب ما بين 100 و150 مجموعة، مقارنة بنحو 60 مجموعة في العراق، أي نصف العدد تقريباً، لأن إيران تعتبر فرنسا بلداً بالغ الأهمية. كما أن لإيران معرفة واسعة بالمجموعات العراقية ومكوناتها العرقية، بينما يتسم الرأي العام في أوروبا بتنوع أكبر، ما يتطلب استثماراً أكبر، والجمهورية الإسلامية تحتاج إلى فهم الأشخاص الذين تتفاوض معهم.
تُعد ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة أهدافاً رئيسية، نظراً إلى ثقلها السياسي داخل أوروبا. ولذلك، تحاول أجهزة الاستخبارات الإيرانية التأثير على الأفراد العاملين في مراكز صنع القرار أو هياكل السلطة هناك. كما تستهدف أحزاب المعارضة وتسعى إلى بسط نفوذها في البلدان التي تمتلك قدرات عسكرية كبيرة.
– ما نوعية الأشخاص الذين تُجندهم أجهزة الاستخبارات الإيرانية في فرنسا، وأوروبا عموماً، للتأثير؟
– لا يوجد نموذج واحد يُطبق على الجميع، فالاستخبارات الإيرانية تُكيّف نفسها وتُصمم استراتيجيات التجنيد بما يتناسب مع كل فرد وخصائصه، ووفقاً لملفه الخاص. فعلى سبيل المثال، قد يُوجّه الاهتمام نحو شريك لشخصية بارزة. لكن عموماً، يُعد الصحفيون من أكثر الأهداف جاذبية، لأنهم يمتلكون إمكانية الوصول إلى كم كبير من المعلومات ومجموعة واسعة من المصادر.
الجمهورية الإسلامية الإيرانية، سواء تعلق الأمر بصحفيين أو أكاديميين، فتسعى من خلال التجنيد إلى تحقيق هدف محدد في وقت معين.
في بعض الأحيان، لا يدرك الأشخاص الذين تُجندهم إيران أو تستخدمهم أنهم يعملون لصالح أجهزة استخباراتية. فقد يقتصر الأمر على تنفيذ طلب لمصلحة أحد المعارف، من دون فهم ما يكمن وراءه.
ومن الأساليب المستخدمة في 110 دول تجنيد مواطنين بعيدين عن الأضواء، لا يثيرون الشبهات، ولا سيما من خلال المدارس الإسلامية.
– هل توجد شبكات نفوذ إيرانية في الولايات المتحدة؟
– نعم، ويجري بناؤها من خلال إنشاء شبكات دينية وأيديولوجية واسعة بين المهاجرين من جنسيات مختلفة.
على سبيل المثال، يدخل بعض الأشخاص إلى الولايات المتحدة عبر قنوات دينية، مثل المسيحية والبهائية. وتستقبل الولايات المتحدة سنوياً أشخاصاً تقدموا بطلبات لجوء لأسباب دينية، وذلك عبر برامج تابعة للأمم المتحدة. وتُعد الشبكات البهائية، على وجه الخصوص، من أسهل القنوات التي يمكن للأفراد من خلالها دخول البلاد وتنظيم أنفسهم.
ومن الأساليب أيضاً تمويل منظمات وتأسيسها داخل مجتمعات الأقليات، ولا سيما مجتمعات السود والآسيويين، التي تُعد أحياناً من بين أقل الفئات اعترافاً اجتماعياً. ومن الأمثلة على ذلك شبكات منظمات الشباب الشيعي من السود في الولايات المتحدة.
وهناك طرق أخرى، من بينها تأسيس شركات متعددة الجنسيات، كالشركات الصينية والعربية، واستخدامها منصاتِ لتنفيذ العمليات. كما تُستهدف مراكز الأبحاث، نظراً إلى دورها المهم في مجالات متعددة، كالأمن القومي والسياسة الخارجية وتطوير السياسات العسكرية والدفاعية.
وتشير التقارير إلى أن كثيراً من العملاء المرتبطين بفيلق القدس مواطنون سعوديون ويقيمون في مناطق مثل القطيف في السعودية. ومع ذلك، ينفذ الفيلق عادة أكثر عمليات التجنيد فاعلية في المناطق التي يُعرف فيها أفراد هذه الجنسيات بمعارضتهم للولايات المتحدة وعدائهم لها.















