متون التكوين

الطريقة

بقلم إبراهيم الكوني
بقلم إبراهيم الكوني

تحديد الموقف من ظاهرة جغرافية كالصحراء، هو التحدّي، الذي يستوجب الجواب عن سؤال ماهيّة الظاهرة كخواء أوّلاً، ثمّ كهجرة ثانياً، لنكتشف، بعد فحص عميق، أن في هاتين اللقيتين (الخواء والهجرة) يكمن سرّ الديانة الطاويّة برمّتها، لتغدو الصحراء كلمة السرّ التي لم تكن لتخطر على بال الحكيم لاوتسي في كل تجربته.

فالخواء هنا لا يعود مفهوماً للفراغ، المهدّد بالعقم، ولكنه الفراغ القرين للهواء، أي تلك الأنفاس المجانية التي نستهين بها، ولا ندري أنها عصب وجودنا، كما تنجدنا ديانة أخرى أقدم عهداً هي الفيديّة، المجسّدة في متون «أوبانيشاد» من خلال مفهوم الـ«آتمان». ففي الصحراء فقط يسمو الهواء بالنقاء، ليتحوّل في الحرية روحاً تُحيي، بالمقارنة مع أهوية الواقع الحضري المشفوعة بالسموم المميتة. وهو ما قد يعني أن الرهان على سؤال البيئة، الذي يتشدّق به عالمنا اليوم، إنّما هو هاجس الديانات كلّها في طور المهد، وما هوسها بالصحراء في أدبيّاتها سوى ترجمة أمينة لهذا الهاجس. ولكن السؤال هو: هل نقاء الهواء، هو التميمة الوحيدة، التي يتغنّى بها مريد الصحراء، أم أنه النقاء في طينته الروحية أيضاً، بحيث تجبُّ، كمفهوم، المنظومة الأخلاقية في صيغتها كخلاص كينوني، قبل أن تستعير هوية الخلاص الديني؟

فالنقاء هنا هو قرون استشعار في تجربة إنسانٍ، قياسه في النشاط الدنيوي، هو معدن السلوك؛ ولذلك تتعمّد ديانات العالم القديم (سيّما الفرعونية) اعتماد اسمَين للمولود: أوّلهما مجّاني من الأبوَين، يترجم أمنية، ويبقى الإسم الثاني، الحقيقي، حلماً مؤجّلاً، يقع وزره على عاتق صاحب الاسم نفسه، لأنه رهين ما ستسفر عنه رحلته الوجودية، المحقّقة بعرق جبينه، أو بالأصحّ، بنزيف روحه هو، أو ما اعتدنا أن نسمّيه في معاجمنا، موهبته أو رسالته، سواء في حال خيّب ظنّ الأبوين، فلم يتبوّأ عمليّاً، منزلة أحطّ شأناً مما توهّموا في حرف الاسم الموهوب بمشيئة الهبة المجانية، سواء في حال استنزل في حقّهما وسام تشريف، بارتياد منزلة أعظم شأناً. في هذه العقلية الاستسرارية، اعتنق القدماء نزعة إخفاء الاسم الحقيقي عن الأغيار، لأن النطق به فضح لحقيقةٍ هي رأسمال وجود حامل الاسم، يستطيع الأشرار استخدامها في أعمال الشرور. أمّا الاسم المعلَن فوحده الاسم، المشاع، الذي نسمّيه لقباً موهوباً من خارج. فالمباح هو تعدّد الألقاب، ولكن الاسم الحقّ، يبقى طلسماً منيعاً.

الصحراء؛ بوجود الهواء، إذاً، ليست فراغاً، ليست خواءً، ولكنها بوجود هذه الثروة الخارقة، هي امتلاء، كما برهنت التجربة عندما نتخطّى في الصحراء الحرف، ونستطلع فيها الخفاء، نستطلع مستودعها الحقيقي، وهو: الروح، حيث يسكن المارد الغيبيّ الذي استطاع أن يستدرج الحرية، لتكون له دليلاً في سفر الأسفار وهو: الهجرة!

والمبتدأ في سفر الأسفار هذا هو وضع المكان من وجهة نظر ميتافيزياء الزمان، الزمان الذي يهرم أيضاً، كما يهرم قرينه المكان، في قاعدة تقول: ما وُلد أوّلاً، هو ما يهرم أوّلاً. والصحراء كمساحة لها حضور في واقع الطبيعة، هي فسحة، عملتها الشيخوخة. الصحراء مكانٌ شاخ بطول العمر؛ وهي خسارة بمنطق الحرف فقط، أمّا بمنطق الروح، فخلاص، لأن الحكمة إنّما رهان من صنع الشيخوخة، ولهذا السبب حقّ للصحراء، كشيخوخة، أن تتمخّض لتلد الحكمة، لتلد النبوّة، لتلد الخلاص المبثوث في الحرية، لأن الصحراء مهندس هجرة، والهجرة مهندس حرية، والحرية مهندس الحقيقة.

وعلّ المثير أن الصحراء لا تنتج الهجرة دون استثمار نقيض هو: السكون!

الصحراء معمار سكون، لأن السكون وليمة الناسك. والصحراء هي الناسك الأول في الأبجدية الزهدية. إنّها التخلّي مجسّداً. فهي ليست معنيّة، هي لامبالية، هي مقطوعة، ولذلك منقطعة، هي قربان، هي الشهيد، بل الشهيد قيد الحياة. الصحراء كشفٌ، لأنها، تجسيدٌ حرفيّ لترسيمة صلاة. فهي، على الطبيعة، ضيفٌ، ولكنه الضيف الذي يستضيف، ولا يُستضاف، لأننا نحلّ فيها لنهجرها، لا لنُقيم فيها. تستضيفنا لنحملها معنا لتسكننا في تحوّلنا، في نشاطنا، في سفرنا نحو أنفسنا، لا نحو الآفاق التي تسكن المسافات التي يسمّيها أهل الاستقرار أوطاناً، لأن وطن المهاجر ليس الوطن المحصور في المكان، ولكنه منظومة القيم التي تجود بها الصحراء كاغتراب، ولكنه الاغتراب المسكون بذخيرة هي: الامتلاء!

ففي خواء الحرف، يسكن امتلاء الروح. وهو وضع يجاهر بصرامة تكاد تتحوّل قسوة طاردة، لأنها مؤهّلات لتسويق ترويض النفس على الموت، مثلها مثل أية حكمة رواقية الفحوى، ولكنها تبقى ضرورة لتبرير الخلود، لأن السكون، في عرفه، هو الترجمان الأمين. فليس مصادفةً أن تكون سيرة الهجرة هي القاسم المشترك الأعظم في متون كل الديانات، بدايةً بـ«أوبانيشاد» الهندية، مروراً «بطاو» لاوتسي في الصين، وسفر الـ«بوّابات» الفرعونيّة (متون الأهرام)، ورحلة «جلجامش» السومريّة، أو «زرادشت» الفرس، أو هجرة الأخت تانّس مع شقيقها وانّس عبر الصحراء الكبرى، كما في ميثولوجيا أمازيغ هذه القارّة، وختاماً، كما في هجرات المتون المقدّسة الثلاثة، التي تبدأ بنكبة الراحل الراعي هابيل بيد شقيقه الشقيّ قابيل سفّاح الخليقة، وجلّاد الطبيعة التي أدمن نحرها بأنصال المحاريث ليستخرج قُوْتَهُ الدموي من الأرض غصباً، بعد أن استهان بما وهبته له طوعاً، ليبقى مفهوم الهجرة هو ملاذ الخلاص دوماً، والصحراء، في الصفقة، هي المهندس. وما سلف، في هذه المعالجة، ليس مجرّد «قواسم مشتركة» لإشباع نهمٍ إلى وسوسة، ولكن ظمأ عميق إلى الحقيقة، بأبجديّة تستجيب لنداء وجودي هو الهجرة، ولا تلبث، بالحرية، أن تحقق الخلاص بالطريق، الذي لا يلبث أن يستوي في ما يسمّى، بلغة اللاهوت، طريقةً!

فالصحراء هي المدرسة الابتدائية، التي لقّنت الإنسان أوّل درس في أبجديّة الحقيقة؛ والطريقة، كتأنيث لـ«الطريق»، لعبت دور الترجمان لهذه الحقيقة، فلا نستنكر أن يعلن حكيم الـ«طاو» لاوتسي: «مَن عرف الحقيقة في الصباح، في المساء يستطيع أن يموت»!.