لم تغتنم الإنسانية، في كل تجربتها، أشرّ من معدنَين هما: الذهب والحديد! فإذا كان الذهب قد استطاع أن يصادر، في المخلوق الروح، فإن الحديد أبَى إلّا أن يصادر في المخلوق العقل!
إذا كان معلم أجيال، في مقام أفلاطون، قد حرّض على وجوب الاستغناء عن ذهب الحرف، واستبداله بالذهب الأحقّ، القابع بعيداً في مستودع الروح، لأنه الإبريز القحّ، والمنذور لباطنٍ هو الخلود، إذا ما قورن بذهب الحرف، المنذور لباطل أباطيل، لأن الذهب معدن خاضع لجدل القيمة، في علاقتها بغريمتها الغنيمة؛ هيمنة إحداهما، في الواقع، ينفي الاعتراف بوجود ثانيتهما؛ وهو ما لا نستطيع أن نراهن عليه عند معالجتنا للمعدن الثاني في المعادلة وهو: الحديد، لسبب بسيط هو أنه كلّه لعنة! لأن الوظيفة فيه، التي يمكن أن تشفع له، فيما لو اعترفنا بها كقيمة، لا تلبث أن تخذلنا، عندما تستعير هويّة النفع تحديداً؛ هذا «التحديد»، الذي نتعاطاه، في مداخلاتنا الأدبية، كلّما قررنا التعبير عن التحدّي، في اليقين المحكوم بحكمة حدود، مشفوعة بسلطة مارد جبّار هو: الحديد!
فالرهان، في العلاقة مع الحديد كمعدن، يكمن في تحديد القيمة، وترسيم الحدود، في واقع هذه الخريطة، كمفهوم مثقل بعبء غيبيّ، يسري في شرايين هويّة، ورثناها في ثروة ميثولوجية، ترجع إلى عهد مهد المهد، الذي تجود به علينا أسماء في المرحلة الفرعونية، حيث تولّى فيها أهل الحديد منزلةً كلاسيكية، تخطَّتْ حدود أفران النار، لتستولي على معاقل الكهنة، الأوصياء على حراسة ناموس المهد «آنهي»، تلك الغنيمة النفيسة التي أقبلت على رحاب النيل، محمولةً في ركاب أفواج القوافل الصحراوية، المقبلة من مسقط رأس التكوين، عندما عبس في ليبيا المناخ، وهيمن الجدب، فيمّمتْ القبائل صوب الشرق، حاملةً اغترابها، وحنينها، وناموسها الضائع، وتوقاً محموماً، للحلول في واقع المجهول.
أسطورة الستار الحديدي، التي خلعها حليف في حقّ حليف آخر، لإشعال فتيل الحرب الباردة، أقوى حجّة في سلطة الحديد، لأنها غدت حاجزاً مانعاً في معدنها الرمزي، لا في معدنها الحرفيّ، لتتحوّل حقيقة واقعة في منطق مَن خلعها، لا في واقع الطرف الذي اعتمدها، بسبب لؤم هذه اللقية اللعوب، التي تجبرنا اليوم على إعادة النظر في حسن ظنّنا بالفلاحة، وتنصيبها في عرش المنزلة الثانية، بعد الرعي، في تجربة الجنس البشري، لأن عمل الحدّادين كان، في الواقع، يحتلّ موقعاً أسبق، ليكون الأجدر بلقب الركن الثاني في العمل، محقّقاً الأسبقية بالمقارنة مع الفلاحة، والدليل تنكّبته أمّة التكوين في حملتها الهجرية إلى وادي النيل، لأنها أقبلت على الواقع الجديد مصحوبةً بحدّاديها، لتنزل واقع حضري، برأسمال فلّاحي، سيلعب فيه الحدّادون دوراً بطولياً ينفي النموذج الرعوي الزائل، ليؤسّس، إلى جانب حرفة الحدادة، طبقة أعظم شأناً هي فئة الكهنة، التي ستتولّى شئون المعبود، في واقع حديث العهد بممارسة مراسم التّقوى. ومَن في وسعه أن يجرؤ على معاندة الحديد، ذي البأس الشديد (الآية)، إن لم يكن هؤلاء السحرة، الذين جرّبوا سطوة المعدن الغيبيّ، وعوّضوا فيه الغنيمة، في محاولات باسلة لتطويعٍ، هو، في الواقع، ليس مجرّد تطويع، ولكنه تصنيع، تصنيعٌ لم يكن سوى إعادة تقييم لواقع خفيّ، توقاً لاستحداث عملية تقويم، الغاية من ورائها تحديد الموقف من القيمة كرهان، لتستوي في تجربة تنوير، تسري في حرف «أهن سواء»، أي، في الترجمة: «بيت التسوية»، تلك الفئة المشبوهة، التي صارت وصيّة على تصنيع الواقع الحضري، في تقنيات ورش الحدادين، ليتسلّلوا تالياً من «بيت التسوية» هذا، إلى «إهن ـ نكيت»، المهيب، حيث معبد المعبود المدعو في الفرعونية والليبية (الأمازيغية)، «بيت القرابين»، ليسطو هؤلاء السحرة على كنوزه الروحية، بعد أن حققوا السطو على كنوز الواقع النفعية، المجسّدة في مقتنيات التقنية الحديدية، في مختلف تجلّياتها، العمليّة، في تحدٍّ سافر لجناب العقل، الذي سيبدأ منذ الآن رحلة، قاسية للدفاع عن النفس، في واقع مهدّد بمعدن عدوانٍ، معادٍ لكل ما متّ بصلة لمنطق العقل، بعد ما فرغ من تدجين الروح في سيرة العصا الخرافية، التي ابتلعت أفاعي كهنة الفرعون، في مشهدٍ يبشّر بميلاد عهد جديد، تسطع فيه شمس الحديد؛ دون أن يتخيّل أحد أن هذا العهد هو الذي سيدشّن هيمنة «سَمّ الخياط» على الوجود البشري، الذي تبرّأ من ذمّته الأسلاف مبكّراً، عندما اكتشفوا كم هو تجديفٌ، هذا المعدن السّفيه، في حقّ الروح، وفي حقّ الحقيقة، التي نصّبت الروح خليفةً لها في واقع الباطل!
في لغة المهد يُطلق على الحديد إسم: «تزولي»، المشتقّ من فعل «يَزَّلْ»، أي، في الترجمة، «إستقام»، أو «قَوَّمَ» فهو فاعل ومفعول به بوصفه مخوّلاً بلعب وظيفتين: فهو ترجمان الاستقامة، سواء في بعدها الحرفيّ، سواء في بُعدها الأخلاقي، القرين لممارسة فريضة هي: الصلاة، لأن هذه المفردة استعارة مباشرة من «يَزَّل» بوصفه تحريض على ممارسة تجربة حسيّة، الركوع والسجود فيها نشاط بدني، ولكن الفحوى فيهما تعبير عن تقوى لترجمة طاعة؛ الطاعة كذروة تطويع. هذا التطويع الذي يمارسه معدن الحديد في عالم الحرف، ليلقّننا درساً في وجوب أداء الواجب. وهو ما حاولت هذه اللغة أن تعبّر عنه في مفردة «إينَض»، كإسم لصاحب الحديد، لتعني الإلتواء، في إيماءة لعمل الحدّاد عند تقويم الحديد، لتستعير منه هذه اللغة مصطلحاً أبعد مدلولاً في «تيناضين» الدالّة على «تصويب الآراء»، أو «توليد الصواب» في هندسة عقلية تستوي في العبارة، المستعارة من سعار أفران الجحيم، التي تعيد بعث الأجرام الحسيّة، بعد صياغتها في حمم النار، تماماً كما تعيد صياغة كتل المعدن الخبيث في صور أخرى تلبيةً لنداء التقويم، كقيامة، تهفو لتحقيق القيمة، لأن لا قيمة بدون قيامة، ولا قيامة بدون سُعار سعير، كمرحلة في سيرة الحساب، فلا يتحلّى البأس الشديد، في صلب المعدن الحديد إلّا بعبور منازل الغيوب، كي يتأهّل دينيّاً، من واقعٍ هو أعراف، في تجربة تطهير، كي يتبوّأ منزلة الإفتاء: الإفتاء لا في شأن حرفٍ هو الحديد، ولكن الإفتاء في ما يخفيه حرف المعدن البئيس، ليغدو سرّه حكراً على سدنة معبد المعبود، حيث يهيمن قضاة الناموس، الذين تنزّهوا عن رجس معدن النحوس. إنه قفزة الإنتقال من هويّة الساحر، إلى حصانة السادن، إلى حصون الكاهن، لأن احتراف التطويع، مؤهّل حقيق بالسطو على الروح، لاحتكار الحقيقة في الناموس، المسكون بحكمة الأعمدة السبعة، المستوحاة من سفر «إينض»، كنهجٍ يبدأ متعرّجاً، في «الإلتواء»، ليستقيم بالتقويم، المجسّد في التطويع، كتقنية تبيح التجديف في حقّ العقل، لتغدو، بالاحتراف، البديل للعقل!
غاية التطويع تحقيق الطاعة، وغاية الطاعة فرض السيطرة، السيطرة في مقام السلطة، والسلطة هيمنة لاحتكار الحقيقة. باحتكار الحقيقة يستعير ربّ المعدن هوية المعبود، لينتقل من «هن ـ سواء» (بيت التسوية) إلى «هن ـ نكيت» (بيت القرابين)، أي أنه معبدٌ هو فيه معبود، حيث يغدو المرجع في الوصاية على أسفار الروح، التي اعتادت الأمم أن تستودعها، في واقع «مزر» (مصر) حيث يسري وادي النيل، ليستعير هوية ملاذ، لتتقاطع في واحاته القوافل منذ الأزل، في ممارسة لمراسم «القِرَى»، التي تحوّل النموذج المهاجر قريةً متنقّلةً عبر الفضاء الجغرافي، لعقد الصفقات التجارية، مشفوعةً بتبادل العهود الدينيّة، إلى جانب العهود الدنيوية، يلعب فيها سحرة المعدن الجديد دور الشفيع في تسويق سَمّ الخياط، لأن مارد المعدن اللئيم لا يسطو على الروح في طبيعتها البريّة، في طبيعتها الهجرية، في طبيعتها الطبيعيّة، لكي يستوعبها، لكي يعتنقها، ولكن لكي يزوّرها، لكي يحقنها بجرعة مناسبة من زيف، من شرّ، سعياً لإعادة إنتاجها في سورة زور، لغايةٍ جائرة هي إبطال مفعولها، تمهيداً لحبك مكيدة أخرى، تنتج عن اغتراب روح المعبود، هي اعتقال العقل، وعرضه مكبّلاً بالأغلال، كي يفسح المجال للبديل، المترجم في مفردة مهد مغرية جمالياً، مازالت تجري على لسان أهل الهجرة الأمازيغ، أو الأمازير (مزر ـ مصر) هي:«تكنا»، الدالّة على الكينونة في شقّها كفعل «يكوّن»، أي، بلغة اليوم، يلفّق، أو يصنع، أو يبدع، كما استعارتها اليونانية لتغدو في اللغات الأوروبية: تقنية في تدبير ماكر لتجريد العقل القحّ، الذي تغنَّى بعبقريّته عمانويل كانط، من مؤهلاته الطبيعية، الإلهية، لزحزحته عن عرش الوجود، لاعتناق دين سَمّ الخياط، في حملة تجديف، على الجنس البشري أن يدفع ثمنها، بعد فوات الأوان، عندما يتدخّل الوسواس اللئيم فيجود بدسيسة، في مفردة تبدو بريئة هي: الإصطناع، ولكن الدنَس يسكن حقيقتها، إذا ترجمناها من منطق المعبود لتعني: الزيف!
وهو ما سيعني أن تجربتنا الوجودية، رهينة موقفين، أحدهما حسّي، يحكم على الواقع بعدسة بصريّة، برؤية طبيعية، وثانيهما باطنيّ، يحكم على الواقع بحاسّة عقليّة، أي تبصيريّة، وأن تكون تبصيريّة يعني أنها مصيريّة؛ حتّى إذا زوّرنا، في تجربتنا، هذه المغامرة الغيبيّة، فقد اخترنا الإصطناع، الذي لن يكون هنا سوى الإختلاق، وباركنا خطيئة، هي التجديف في حقّ الحقيقة!
















