متون التكوين

عرّاف الحدس وعرّاب الحسّ

بقلم إبراهيم الكوني
بقلم إبراهيم الكوني

في البعد المفقود، المسمّى برزخ العدم، يسطع اليقين الذي يحوّل الوعي، مع الوحي، في جدلهما الملهم، إلى عقد قران، تخفق حتّى اللغة في أن تنفيه، عندما تتنازل عن استكبارها، لتعترف أن الحاء، في الوحي، ليست سوى عينٍ، كما أن العين، في الوعي، ليست سوى حاءٍ، استجابةً لسلطة عضو هو الحلق، الذي يحتال، لكي ينبّئنا بأنهما، في الأرومة، ليسا مجرّد شقيقَين، ولكنهما طينة واحدة، تراهن على تسويق رسالة مثيرة عن طبيعة الثروة المختزنة في العلاقة بينهما، لأن الوعي ليس في الواقع سوى الوحي، كل ما هنالك أنه مفوّض بالنطق بلسان الحسّ، تماماً كما أن الوحي ليس سوى الوعي، عندما يتعلّق الأمر بمنطق الحدس.

الفيلسوف يستجير بأعطاف الوعي، ويدمنه كقرون استشعار، لاستطلاع أدغال الواقع الحرفيّ، راصداً الظاهرة، في علاقتها بالظاهرة؛ هذا في حين يتشبّث النّبي بتلابيب الوحي، لينتدبه في استنطاق الحدس، لاستجلاء ظلمات الخافية، صاعداً العتبة تلو العتبة، في حمّى صعوده، في معراج الرحلة إلى منزلة أبعد منالاً، هي: الكشف!

الكشف، حيث تسطع شمس الحقّ، فلا وجود لباطلٍ، ولا ظلّ لشكّ، بل تهيمن القيمة، لأن الحضور في الحقّ امتلاء!

سدَنَة محفل الكشف يسمّون هذا الحدَس استثمار الوحي القُحّ.

وكلمة «الحدث» هنا تستعير هويّة حميمة هي: الحدس، لأن قانون الإبدال الحكيم يأبَى إلّا أن يحيلنا إلى ناموس الأصوات، القاضي بوحدة «الثاء»، و«السين»، بسبب طبيعتهما في الأرومة كصوتٍ واحد، في إيماءة ماكرة لحقيقتهما في الوظيفة، لأن الحدث، في المفهوم، ليس سوى حدسٌ استظهر، والحدس ليس سوى حدثٌ استضمر.

والجدل بين المستضمر والمستظهر هو قِران، بقدر ما هو نقضٌ في المواجهة، مما سيعني أن الحدَس النبويّ هو واقعياً حدثٌ، كل ما هنالك أنه قيد المستبطن، أي أنه مشروعٌ مؤجّل، ينتظر لحظة الاستظهار، كما الحدث درسٌ في مخطط تجربة، تحرّر، بعد أن تمرّد على القمقم. فالنبوءة منذ الآن، رهينة واقع، حقّ له أن يتباهَى بالخلاص، الذي يحسم الجدل بين الرؤيا وبين الحجّة، بين النبوّة وبين الفلسفة، والقيمة في أيٍّ منهما حُكمٌ يحدّده الموقف من قُدسِ أقداسٍ هو: الحريّة!

المعادلة الثانية، في مباراة الحسّ والحدس، يتنازعها العرّاف، بوصفه عرّاب الحدَس، أو فلنقل الروح، في مقابل وجود العرّاب، بوصفه عرّاف الطبيعة، أو فلنقل الحسّ، رسالته، كخازن مستودع الحرف، هو استجواب المستضمر في واقع المستظهر، حتّى لو إدّعى لنفسه أبوّة روحيّة، لأنّ الشغف بالجدل هو ما يُلزم الإعتراف بالتماهي طريقةً للنفي، مع وجوب ألّا ننسى عبقرية اللغة العربية، التي عقدت قرانهما في الإسم، لأن كلمة «عرّاف»، ليست سوى كلمة «عرّاب»حرفيّاً، إذا آمنّا بالإبدال الشائع في كل اللغات، تقريباً، بين «الفاء» و«الباء». فإذا كانت التجربة الكشفيّة في «الوحي» تستورد ذخيرتها من ثروات البُعد المفقود، أو من مستودع الخلود، لتحقّق حكمتها في «الوعي» بحرف الواقع، في بُعده كوجود، فإن «العرّاف» لا يملك إلّا أن يستجير بالكنز الضائع، المدعو في لغتنا بـ«الميثولوجيا»، لا في حرفها كميراث أجيال، ولكن في هويّتها التنويريّة كقيَم مترجَمة في فعل «المنسيّات»، لأن ما هي الأسطورة إن لم تكن تلك اللّقية، التي هيمنت يوماً على واقع الأجيال، ولكن الأزل أبَى إلّا أن يبتلعها، خوفاً عليها من بطش الأزمنة، وهو: النسيان، واستطلاع أدغالها هو ما منحه شرف الإنتماء إلى حرم العرفان، متمنطقاً بفرمان «عرّاف»، نستطيع أن نعتمده في قرينه «عرّاب»، لأن غنيمتهما كليهما هي احتراف مساءلة المنسيّات، كي تجود على الأخلاف، بوصايا الأسلاف الفانية، في موقفها من جدل الحدَس والحس في كلّ ما متّ بصلة لقدس أقداسٍ هو الحقيقة، التي لا تسطع خارج بلاط الحرية، كما أسلفنا؟

هنا، في هذا البلاط، يتبارَى الشريكان الحميمان (العرّاف والعرّاب) في استنطاق الحقّ، في إسم هذا الطّيف، هذا الضيف، المدعو في العربية «إنساناً»، لاستدراجه للبوح بما أخفته الهويّة البدئيّة في الإسم، ليكتشف أن كلمة «إنسان» هي تركيبٌ ملفّقٌ من كلمتين معناهما في لغة التكوين، الأمازيغية، هو: «إن» الدالّة على معنى «ذو»، و«إسان»، الدالّة على معنى: «العارف» حرفيّاً، لأن المعرفة هنا هي البرهان الوحيد على تحديد هذا اللّغز الخالد كمفهوم!

من «إسّان» هذه استعارت اللغات الأوروبية إسم القدّيس San, Sant، لأن القديسين كانوا هم الأئمّة في كل ما متّ بصلة للعلوم الدنيويّة، والمرجع في الإفتاء بكل حقيقة غيبيّة، حتّى إذا شئنا التوغّل أكثر في مساءلة الشقّ الثاني في البُنية اللغوية السالفة، فوجئنا بكنزٍ أعظم شأناً تجود به علينا لغة المهد هو: «المسكون بروح الألوهة»، كنايةً عن «الإنسان»، لأن «سّا» أو «إسّا»، بحدّ ذاتها تعني الإمتلاء، و«إن» أحد أسماء الألوهة عندما تحتكم إلى مفهوم «المالك»، (إينّيت)، فيحتكم العرّاف، كحامي حمى الحدس، إلى محكمة الروح، لاستطلاع حُجج العرّاب، كوصيّ على الحسّ، ليستعير منه صلاحية أن يلعب دور العرّاب، في مغامرة الحقيقة، في حين يتنازل عن هويّة العرّاف بالمقابل، في صفقة تبادل الأدوار الجدلية، التي من شأنها أن تُعيد الاعتبار لجناب «الوحي»، في النّزال مع «الوعي» كحارس حِسّ، توقاً لديمومة التوازن بين القطبين: الحدَس والحس، الروح والحرف، ليبثّ الأنفاس في الطبيعة، لكي تعترف في نفسها بنبض «العارف»، فلا يملك السؤال إلّا ينتصب كمرجع: هل كانت الحقيقة لتسطع في واقع هذا الطيف لولا هيمنة الحرية؟ وهل كانت الحرية لتهيمن لولا مغامرة الهجرة، التي شقّت هذا الـ«عارف» إلى طينتين: حضرية وهجرية، لتُفلح الأخيرة في استخراج الخلاص، بسلطان الوحي النبويّ، لأن الطريق عرّابُ الطريقة، والطريقةُ عرّاف الحقيقة؟