متون التكوين

المرأة كمشروع حضري

بقلم إبراهيم الكوني
بقلم إبراهيم الكوني

المرأة، في الصفقة مع الرجل، طبيعة، في حين يلعب الرجل دور الروح في هذه الصفقة. المرأة في الأرض خليفة الطبيعة، ولهذا السبب تراهن على النوع، تراهن على استمرار إنتاج النوع، وهو، هنا، الذريّة؛ هذا في حين يراهن الرجل على الحرية، في هذا القِران الدرامي، ولذا تستهويه الهجرة، لأنها العرّاب الوحيد للحريّة.

من الضروري أن يؤدّي هذا الوضع إلى نشوب نزال بين القطبين، بسبب طبيعة الهوية، التي يتبنّاها كل طرف، في رحلته الوجودية، في حال استفهمنا عن ماهيّتها كرسالة مصيريّة، هي حُجّة، في مسيرة كل نفس بشريّة.

فالرجل، في التجربة، طيفٌ يسرح في فضاء البريّة، تلبيةً لنداء الحرية، والمرأة، في العلاقة، حرف، طبيعة، محيط بيئيّ، له حضورٌ صارم في واقع اليابسة، لأن الأرض، هي الملاذ، الذي يعوَّل عليه، فينشأ الجدل بين هذين النموذجين، انطلاقاً من هذه الفتوة.

أي أنهما الثنائي التراجيدي، المحكوم بأن يحبك نسيج طرفٍ ثالث، يعوّلان عليه في رحلتهما، أملاً في أن يحقّقا بوجوده خلوداً، ولكن ليس قبل أن ينفيهما كليهما، تكفيراً عن شِرْكٍ، هو التثنية، بوصفها التجديف في حقّ الأحديّة.

ولكن ما يهوّن من قسوة النكسة، الناجمة عن الإحساس بالإثم، هو شفيع أكبر من شعريّتهما، ومن رومانسيّتهما، لأن الحبّ، الذي يهرع لنجدتهما، كالجمال، في التصنيف، هو بلا تعريف، ولذلك هو يُخيف، كما يتغنّى دوستويفسكي، ليحقّقا العزاء في علاقتهما، حتّى في حال لم يتحقّق حلم الأجيال، بإنجاب الطرف الثالث، الذي عوّلا عليه في تحقيق خلودهما!

والدراما هنا يحبك فصولها الموقف من المكان. فالمرأة تنتدبه ملاذاً في توقها لتحقيق الأمان، لأن نداء الطبيعة فيها أقوى من الهوس بمطاردة الأحلام، كما الحال مع الرجل، في موقفه من واقع استقرار، المكان فيه بعبع يهدّد بكتم الأنفاس، سيّما إذا تعلّق الأمر بالنّموذج الهجري. فالمرأة تختزل حقيقتها في ذلك العشّ، المسمَّى «بيتاً»، الذي ستحتضن فيه صغاراً، هم معنى وجودها، لتبرّر لنفسها هذه المِيْتة الصغرى، المترجمة في حرف «قرّ»، المكوّن لمشروع استقرار، لا يلبث أن يتحوّل أرجوحة مهدٍ في تجربة الإنسان الحضري، متجاهلةً المفهوم الخطير، الذي تتكتّم عليه اللغة في هذه المفردة، التي تعني «السكون»، من جانب، كما تعني من جانبٍ آخر «جَمَدَ»، أو «جفَّ»، أو «تيَبّس»، في حال استنطقناها في لغة المهد الأمازيغيّة الصحراوية، لأن «السكون» هنا، ليس سكينة الروح، التي يراهن عليها النموذج الهجري، ولكنّه شهادة وفاة في حقّ روح الإنسان الحضري، الذي أدمن الاستقرار إفيوناً؛ مما سيعني أن المرأة، كعرّابة استقرار، هي تجسيدٌ لمشروع النموذج الحضري، في نزاعه الخالد مع قرينه الهجري، المترجم في تجربة قابيل، في علاقته التراجيدية مع شقيقه هابيل. أي أن المرأة، في وجه المهاجر، هي حرفٌ أوّل في أبجديّة التحدّي. ولهذا تلعب دور العقبة في واقع كل مريد رحيل، لأن الحسّ الطبيعي فيها هو ما يدفعها لأن تهادن المكان، بوصفه الملاذ، الذي يضمن تحقيق الأمان لوديعتها النفيسة: الذريّة!

فالمرأة وفيّةٌ للجذور، فتستسلم لبراثن المكان، في مقاومة مستميتة لأي تغيير من شأنه أن يطيح بالجدار (المستعار من الجذر)، لأنه منذ الآن هو المعبد الذي تتلو فيه صلواتها الوثنيّة، رفضاً لشبحٍ مُعادٍ هو الزهد، لأنه كلمة السرّ في معجم كل من تمرّد على ناموس المعبد، وقرر يوماً أن يُيمّم صوب البريّة، ليروّض في نفسه الحريّة، التي تعد بها هويّة الناسك، كعتبة أولى في سلّم الهجرة!

قد تتنازل المرأة، كشريك في صفقة وجود، عن كبريائها، فتقبل الرحيل، في ركاب القرين، ولكنها لا تخون قدرها، لأنها لا تلبث في الرحلة، أن تتحوّل وتداً، في منتصف الطريق، لأن طبيعتها، كمشروع استقرار، تأبَى إلّا تنتصر!

قد تستوي، في هذه المغامرة الوجودية، نواةٌ بمفهوم مدني، تتطوّر لتتحوّل نظاماً سياسياً محمولاً في ركاب النموذج المهاجر، ولكنها لن تتأهّل لتستعير ماهيّة الوطن، ما لم تتدخّل روح الإنسان الهجري، لأن الوطن ليس مكاناً، ولكنه القيمة الأخلاقية التي لا نسكنها، بقدر ما تسكننا، لنحملها معنا أينما حللنا!