التجربة تقول: «في وجود سنّ الفيل، يكمن مصرع الفيل»، وهي ترجمة لما يمكن أن نسمّيه «نقمة النعمة». هذه النزعة الضديّة في جدل الطبيعة، التي تجود بالموجب كي ينفي السَّالب، وتهدينا الإيجاب، كي تبرّر المنع، هي الناموس الخالد، الذي أوجد الوجود، في صيغته المترجمة في عراك الأضداد التراجيدي، القاضي بتحويل الجمال في السيماء بلاءً، لأنه إغواء، وتحويل الجمال في الروح عزاءً، لأنه استشفاء.
لهذا السبب الصحراء قيمة، لأنها لا تعد بالغنيمة، باستثناء الحرية، التي كانت في منطق كل الأجيال رأسمال القيمة، وكان يمكن لهذه العقلية أن تهيمن إلى الأبد لولا ضلال سليل آدم الذي لا يكتفي بما وهبته له أمّه الطبيعة طوعاً، ولكنه أبَى إلّا أن يطعن بطن هذه الأمّ بأجناس الأنصال، لينتزع منها ما أخفته عنه غصباً، ليبدأ نزيف الطبيعة، سيّما الصحراء، منذ تلك التجربة الإجرامية، لتغدو ثروات مثل النفط والغاز والذهب وبقية المعادن النفيسة وغير النفيسة، البلاء، الذي حلّ بأرجوحة الحرية، ومسقط رأس الكينونة، ومهد كل نبوّة، كما هي الصحراء، لأن القارّة الملقّبة باسم «افريقيا»، التي يُجمع العلماء على حقيقتها كمسقط رأس الجنس البشري، إنّما كانت هي هذه الصحراء، لأن الكلّ يجهل أن كلمة «افريقيا»، في لغة أهل المكان، الأمازيغية، إنّما تعني حرفيّاً الصحراء، استعارةً من «آفرا»، لأن العلامة الجغرافية الفارقة في واقع القارّة هو هذه الرقعة الصحراويّة المدعوّة باسم «الكبرى»، تمييزاً لها عن بقيّة صحاري هذا العالم. فكما كان نبات «سلفيوم»، الترياق لكل الأمراض، هو الطُعم الذي استدرج الإغريق لغزو ليبيا في القرن السابع قبل الميلاد، صار اعتدال المناخ، طوال العام، مبرّراً كافياً لاستدراج الفينيقيين لنزول سواحل ليبيا في القرن التاسع قبل الميلاد لتأسيس قرطاجة. ليس هذا وحسب، ولكن تنوّع الطعوم الجاذبة للإمبراطوريات الاستيطانيّة، أبَى إلّا أن يستدعي دخلاء آخرين مثل الرومان الذين أغواهم الموقع الجغرافي الاستراتيجي لهذا الوطن الشقيّ، فسطوا على ليبيا خلفاً لليونان وللفينيقيين، لمئات الأعوام، قبل أن تعقبهم الامبراطورية الاسبانية للإستيلاء على الغنيمة ليحتلّوا البلاد بعد سيرة الوليمة الأسطورية الشهيرة، التي قام فيها أحد أثرياء طرابلس باستضافة بعض تجّار الإسبان، ليتفاجأ الأضياف بقيام المستضيف بسحق قطع الجوهر لينثر غباره على موائد الأطعمة إكباراً للأضياف، وبرهاناً على الترف، حتّى إذا حان أوان تناول الفواكه لاحظ الأضياف غياب السكاكين في البيت لاستخدامها في تقطيع البطيخ، وأخفقت محاولات المستضيف في العثور على أي نصل حتّى لدَى الجيران، فما كان من الأغراب إلّا أن بشّروا أولياء أمور الامبراطوريّة بوجود وطنٍ خرافي يبعثر فيه ربّ الأسرة غبار الجواهر على الطعوم، في وقتٍ يخلو فيه البيت، بل وبيت الجيران، من أيّ نصلٍ حادّ، فما كان من الإسبان، الظامئين لكل ما هو نفيس، إلّا توجيه أساطيلهم للسطو على هذه الغنيمة المجّانيّة، وهم الذين فرغوا للتوّ من إبادة سكّان ثلاث قارات كاملة، طلباً للذهب، ليقترف سكّان هذا البلد (ليبيا) خطيئة أخرى عندما استجاروا بإمبراطوريّة أخرى لكي تجيرهم من جور الاسبان، هي الإمبراطورية العثمانيّة السيئة الصيت، لأنها هيمنت خمسة قرون كاملة دون أن تنجب حكيماً وأحداً، لتكتم أنفاس الليبيين قروناً سخيّة، جزاء دروشتهم، وحسن ظنّهم بأناسٍ حسبوهم إخوة لهم في الدّين!
من المهم أن ننبّه إلى طبيعة هذه الحملات الاستيطانية، عندما يكون السبب دوماً نفعيّاً، أي السطو على ثروات طبيعية أو مؤهّلات مناخيّة، كما تزامن مع الحملات الاستعمارية الأوروبية على شمال افريقيا مثل فرنسا وإيطاليا. وهي نزعة صاحبت حتّى الحملات التبشيرية أو الدينية كالإسلاميّة، لأن الغرب كان دوماً ضحيّة الرياح العدائية التي تهبّ من جهة الشرق!
ليس غريباً، إنطلاقاً من هذه الظاهرة، أن تكون حجّة عرّاب تاريخ ما قبل التاريخ، هيرودوت، في تدوين أوّل تاريخ في هذا العالم؛ هي تخليد الصراع الأبدي بين فرسان الشرق، الفُرس، وأبطال الغرب، الإغريق، ليبارك المؤرّخ إبن عذارَى المراكشي، في القرون الوسطى، هذه الفكرة، مستنيراً بالحديث الشريف القائل: «الشرُّ عشرةُ أجزاء، تسعة أعشارٍ منه في المشرق، والعُشرُ الباقي في بقيّة البلدان»، لتأتي جريمة الامبراطورية الاسبانية لتبرهن على صدق هذا الاكتشاف، لأن إبادة شعوب ثلاث قارّات هي قيّامة حقيقية، علّ قيام الامبراطورية الأمريكية اليوم، وهيمنتها على العالم، هو الانتقام المشروع على هذا العار التاريخي.
ويبدو أن هيرودوت كان حكيماً بما يكفي كي يشخّص لنا حقيقة الورم الليبي الأبدي، عندما نصّبَ، في كتابه الرابع، «ميلبومينا»، ربّة التراجيديا في الميثولوجيا الاغريقية، وصيّاً على ليبيا، من بين كل أركان المسكونة، لسببٍ معقول هو حقيقتها كنبع كنوز، ولكنّها الكنوز التي يحتكر ثمارها الدخلاء عبر التاريخ، في حين تُخلّف لأبنائها البلاء، ليبرهن على صواب هذا اليقين الأمثولة الواردة في هذا الكتاب من موسوعته التاريخية، المعنوَن باسم هذه الربّة في محفل التاسوع، المستعارة من وصيّة ليبية قديمة، تردُ على لسان عرّافة معبد دلفَى في نصٍّ شعري يقول:
«سوف يعضُّ بنان النّدم
كل مَن لم يهرع إلى أرض السخاء: ليبيا!
لينال نصيبه من الغنيمة
في موسم تقاسم الأراضي».
وهي الوصيّة التي حرّضت أهل اليونان على غزو ليبيا، لتكون نبتة «سلفيوم» هي الطُّعم في هذه الصفقة، لأن الحكمة في أن تجود بالغنيمة، وتحتفظ بخصمها المترجَم في حرف القيمة، عملاً بالوصيّة الزهديّة الخالدة: نكسَب ما نهب، ولكننا نخسر ما نكسَب!
فلعنة الغنيمة هي الشبح القبيح، الذي هيمن على ليبيا منذ التكوين، ذلك اليوم المشئوم، الذي أقبل فيه هرقل على فردوسها الآمن، فاحتال على حامي حِمَى حِماها، البطل الأسطوري «إنتاي»، في مبارزة غادرة، ليتحوّل هذا الوطن، الذي كان مسقط رأس التكوين، ضحيّةً خالدة، يلعب في حرفها الأغراب، دور العرّاب، فلا يبقى لأهلها من القسمة سوى الإغتراب، عن واقعٍ عدموا فيه حتّى الموقع، في محكمة الإعراب!















