بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

حقوق الإنسان

تقرير أممي يوسّع توصيف قمع احتجاجات إيران: من القتل والاعتقالات إلى الإعدامات وقطع الاتصالات

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

قالت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن إيران، في تقرير جديد مقرر عرضته أمام مجلس حقوق الإنسان، إن لديها أسباباً وجيهة للاعتقاد بأن السلطات نفذت خلال احتجاجات عامي 2025 و2026 هجوماً واسع النطاق ومنهجياً ضد السكان المدنيين، شمل القتل والسجن والتعذيب وأفعالاً بشعة أخرى، وإن كثيراً من هذه الانتهاكات يرقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية.

إن هذا الاستنتاج لا يصدر عن محكمة، ولا يمثل حكماً جنائياً على أفراد بعينهم. فبعثات تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة عبارة عن هيئات تحقيق وليست جهات قضائية، ولا تستطيع إصدار إدانات أو بدء محاكمات. لكن الأدلة التي تجمعها وتحفظها يمكن أن تستخدم لاحقاً في تحقيقات تجريها محاكم وطنية أو هيئات قضائية دولية.

وهذا هو التطور الأهم في التقرير: الانتقال من توثيق انتهاكات متفرقة إلى توصيف نمط متكامل من القمع يمتد من الشوارع إلى مراكز الاحتجاز والمحاكم، ويغطي البلاد بأكملها.

قتل طال المحافظات الـ31

قالت البعثة إن عمليات قتل نفذتها قوات الأمن وقعت على نطاق واسع في جميع المحافظات الإيرانية الـ31، وقد سُجلت أعلى أعداد الضحايا في طهران وكرج ومشهد وأصفهان ورشت.

ووفق نتائجها، تمركز أفراد من قوات الأمن على أسطح مبانٍ ومواقع مرتفعة، وأطلقوا النار من بنادق هجومية على حشود. وفي مدينة كرج، استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لدفع متظاهرين إلى أزقة ضيقة قبل إطلاق النار عليهم.

كما سجلت البعثة إصابات خطرة في الرأس والصدر والعينين نتيجة استخدام كريات معدنية، وأشارت إلى أن بعض الإصابات أدت إلى فقدان البصر بصورة دائمة. وأضافت، أنه أُبلغ عن مقتل 221 طفلاً على الأقل، كان بعضهم في الثانية من العمر فقط. وهذه الصياغة مهمة، لأن الرقم ورد بوصفه حصيلة مبلغاً عنها، وليس عدداً قالت البعثة إنها تحققت بصورة مستقلة من كل حالة فيه.

أعلنت الحكومة الإيرانية مقتل 3038 شخصاً وإصابة نحو 25 ألفاً خلال الاضطرابات. وقالت البعثة إنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من العدد الإجمالي، لكنها تعتقد أن الحصيلة الحقيقية للقتلى والمصابين أعلى من الأرقام الرسمية.

وترفض طهران اتهامات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بوجود نمط منهجي من الانتهاكات، وتقول إن الاضطرابات تضمنت أعمال عنف نفذها من تصفهم بـ”الإرهابيين ومثيري الشغب”، بدعم من معارضين في الخارج والولايات المتحدة وإسرائيل.

المستشفيات ضمن القمع

تقول بعثة التقصي إن القمع لم يتوقف عند الشوارع، إذ وثّقت اعتداءات على منشآت صحية، وضرب مصابين واعتقالهم أثناء تلقي العلاج، إلى جانب توقيف عاملين في القطاع الصحي. وخلصت إلى أن الخوف من الاعتقال دفع بعض المصابين إلى تجنب طلب رعاية طبية كان من الممكن أن تنقذ حياتهم.

ولفتت بأن عشرات الآلاف حُرموا من حريتهم خلال موجة من الاعتقالات التعسفية، وإن محتجزين تعرضوا للتعذيب والحبس الانفرادي وحُرموا من الحصول على المشورة القانونية.

وفي عدد من الحالات، تُركت الأسر من دون معلومات عن أماكن أقاربها المحتجزين، في ظروف تثير مخاوف من وقوع حالات اختفاء قسري.

امتدت الإجراءات، بحسب التقرير، إلى ما بعد وفاة بعض المحتجين. فقد أخّرت السلطات، أو رفضت في بعض الحالات، تسليم الجثامين إلى العائلات، وطالبت بعض الأسر بدفع أموال، وأجبرت أقارب على توقيع بيانات تصف الضحايا بأنهم من العاملين مع الدولة، كما فرضت قيوداً وتهديدات مرتبطة بمراسم العزاء والتأبين.

خمسة أشهر من العتمة

كان قطع الاتصالات أحد العناصر التي اعتبرتها البعثة جزءاً من بنية القمع. ففي 8 يناير، وسط ذروة المواجهات، فرضت السلطات حجباً وطنياً على الإنترنت والاتصالات استمر أكثر من خمسة أشهر، ووصفته البعثة بأنه أطول انقطاع شامل للاتصالات على مستوى دولة مسجل حتى الآن.

وقالت إن الحجب لم يمنع تداول المعلومات فقط، بل عرقل أيضاً قدرة المواطنين على تنسيق المساعدة والحصول على معلومات الطوارئ.

تتعامل البعثة مع هذه الإجراءات باعتبارها تصعيداً مقارنة بموجات القمع السابقة: استخدام القوة المميتة في الشوارع، ثم الاعتقالات الواسعة والتقييد الشديد للمعلومات، وصولاً إلى استخدام عقوبة الإعدام بعد انحسار ذروة الاحتجاجات.

القمع في قاعة المحكمة

ربما يكون استخدام عقوبة الإعدام هو التطور الأوضح في مرحلة ما بعد الاحتجاجات. فبين مارس وأغسطس 2026، أعدمت السلطات الإيرانية 29 رجلاً على الأقل في قضايا مرتبطة بالاحتجاجات، وفق بعثة تقصي الحقائق، ونفذت خمسة من أحكام الإعدام علناً.

وقالت البعثة إن أكثر من 70 شخصاً، بينهم خمس نساء وثلاثة فتية، لا يزالون يواجهون خطراً وشيكاً بتنفيذ أحكام الإعدام.

وكان تحقيق مشترك أصدرته “هيومن رايتس ووتش” و”مركز عبد الرحمن برومند” لحقوق الإنسان في إيران، قبل التقرير الأممي بأسبوع، قد وثق أيضاً إعدام 29 شخصاً اعتقلوا على خلفية الاحتجاجات.

وخلص التحقيق إلى أن 16 من أصل 29 قضية مرتبطة بالاحتجاجات لم تتضمن اتهاماً بقتل أي شخص، بل صدرت أحكام بالإعدام على خلفية أفعال، مثل إتلاف ممتلكات عامة أو إضرام النار أو إلقاء الحجارة أو اقتحام مبانٍ حكومية.

بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، لا يجوز للدول التي لم تلغ عقوبة الإعدام تطبيقها إلا ضمن نطاق بالغ الضيق لما يعرف بـ”أشد الجرائم خطورة”، وهو معيار تفسره الأمم المتحدة بأنه يقتصر على الجرائم التي تنطوي على القتل العمد.

وقالت “هيومن رايتس ووتش” و”مركز برومند” إن المسار من الاعتقال إلى تنفيذ الحكم لم يستغرق، في بعض القضايا، سوى أكثر قليلاً من خمسة أسابيع. كما تحدثتا عن مزاعم باستخدام اعترافات انتزعت تحت التعذيب، وحرمان متهمين من الاستعانة بمحامين مستقلين من اختيارهم.

الإعدام أداة ردع

هذه السرعة هي التي تجعل الإعدامات جزءاً أساسياً من قراءة التقرير الأممي. فإذا كان إطلاق النار وسيلة لإنهاء احتجاج قائم، فإن استمرار المحاكمات والإعدامات بعد انحسار ذروة التظاهر يطرح سؤالاً مختلفاً: هل تتحول العقوبة الجنائية نفسها إلى أداة لمنع احتجاجات محتملة في المستقبل؟

قالت بعثة الأمم المتحدة إن استخدام العنف والقتل وقطع الإنترنت وعقوبة الإعدام يمثل تصعيداً كبيراً مقارنة بالأنماط السابقة لقمع المعارضة.

أما “هيومن رايتس ووتش” و”مركز برومند”، فيريان أن الإعدامات العلنية والإجراءات السريعة تحمل رسالة ردع موجهة إلى المجتمع لمنع عودة الاحتجاجات. وهذا تقييم حقوقي، وليس نتيجة قضائية مثبتة بشأن نية السلطات.

جرائم ضد الإنسانية

لا تعني الجريمة ضد الإنسانية ببساطة أن الانتهاك بالغ الخطورة أو أن عدد ضحاياه مرتفع. فالمعيار القانوني يتطلب ارتباط أفعال مثل القتل أو التعذيب أو السجن بهجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين، مع توافر بقية العناصر اللازمة لإثبات المسؤولية.

وهنا تكمن أهمية التقرير الجديد. البعثة لم تقل فقط إنها وثقت عمليات قتل وتعذيب واعتقالات، بل خلصت إلى أن عدداً من هذه الأفعال وقع ضمن هجوم واسع النطاق ومنهجي ضد المدنيين، وأن القتل والسجن والتعذيب والأفعال اللاإنسانية الأخرى التي وثقتها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

لكن ذلك لا يعني أن مسؤولاً إيرانياً محدداً أصبح مداناً بهذه الجرائم، فإثبات المسؤولية الجنائية الفردية يحتاج إلى تحقيق قضائي يحدد من ارتكب الأفعال، ومن أصدر الأوامر، ومن كان يعلم بها، وطبيعة العلاقة بين كل شخص والانتهاكات المثبتة.

التقرير يدين واشنطن أيضاً

في جانب آخر، وجدت البعثة أسباباً معقولة للاعتقاد بأن الولايات المتحدة ارتكبت جرائم حرب في غارتين جويتين خلال الحرب التي بدأت في فبراير.

استهدفت الغارة الأولى مدرسة “شجرة طيبة” الابتدائية في مدينة ميناب، وقتل فيها أكثر من 150 شخصاً، بينهم نحو 120 طفلاً، وفق السلطات الإيرانية. وقالت البعثة إن المدرسة كانت منشأة مدنية واضحة المعالم، وإنها لم تجد دليلاً على استخدامها لأغراض عسكرية.

وخلصت إلى أن إخفاق الولايات المتحدة في تحديث معلومات الاستهداف والتحقق من أن المبنى هدف عسكري تجاوز مجرد الإهمال، وأن توجيه الضربة مع إدراك وجود خطر كبير بإصابة منشأة مدنية يجعلها هجوماً عشوائياً يرقى إلى جريمة حرب.

أما الغارة الثانية فأصابت مجمعاً رياضياً ومنطقة سكنية في لامرد، وتسببت في مقتل وإصابة 22 مدنياً، إلى جانب أضرار لحقت بمبانٍ سكنية ومدرسة. واعتبرت البعثة الهجوم عشوائياً، ومن ثم جريمة حرب.

رفض البيت الأبيض استنتاجات التقرير، متهماً مجلس حقوق الإنسان بالفشل في حماية حقوق الإنسان، فيما قال البنتاغون إن تحقيقه في هجوم ميناب لا يزال مستمراً. كما نفت القيادة المركزية الأميركية في وقت سابق تنفيذ ضربة في لامرد في ذلك اليوم.

من التوثيق إلى المساءلة

لا تملك بعثة تقصي الحقائق إصدار أوامر اعتقال أو إحالة متهمين إلى المحاكمة، لكن وظائفها تشمل جمع الأدلة والتحقق منها وحفظها بطريقة تسمح باستخدامها مستقبلاً. ويمكن أن تدخل المواد التي تجمعها مثل هذه البعثات في تحقيقات تجريها محاكم وطنية أو هيئات قضائية دولية.

كما دعت البعثة الدول إلى استخدام الولاية القضائية العالمية، عندما تسمح قوانينها بذلك، لملاحقة المسؤولين عن الجرائم الدولية الخطرة. ومن المقرر أن يناقش مجلس حقوق الإنسان نتائج التقرير في جنيف يوم الإثنين.

لكن السؤال الذي يتركه التقرير يتجاوز الجلسة الأممية. فعندما تقع عمليات قتل في المحافظات الـ31، ويُعتقل عشرات الآلاف، وتنقطع الاتصالات عن بلد بأكمله لأشهر، ثم تستمر الإعدامات بعد انحسار الاحتجاجات، يصبح السؤال القانوني أوسع من تحديد التجاوزات الفردية.

هل كانت الدولة تواجه سلسلة من أعمال الشغب والجرائم المنفصلة، كما تقول طهران، أم أن مؤسسات متعددة شاركت في نمط منظم من القمع يستوفي شروط الهجوم واسع النطاق أو المنهجي ضد السكان المدنيين، كما خلصت بعثة الأمم المتحدة؟

هذه هي النقطة التي نقل إليها التقرير الجديد الملف الإيراني. ولم تصدر إجابة قضائية نهائية عنها بعد، لكن الأدلة أصبحت تجمع وتحفظ على أساس أن مثل هذه المحاسبة قد تأتي يوماً.