بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

حملة عبد الرحمن السيد تفتح ملف نفوذ شبكات “الإخوان” عبر المؤسسات الإسلامية في السياسة الأمريكية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تضع حملة عبد الرحمن السيد، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، إحدى أكثر آليات الإسلام السياسي حساسية في الغرب تحت المجهر: تحويل النفوذ المتراكم داخل المؤسسات الدينية والاجتماعية إلى قدرة على الوصول السياسي والتعبئة الانتخابية.

لا تكمن أهمية القضية في ظهور مرشح مسلم أمام جمهور مسلم، فهذا جزء طبيعي من الحياة السياسية الأمريكية، بل في البنية المؤسسية التي احتضنت ظهوره، والخلفية التاريخية التي تربط الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية بشبكات “الإخوان المسلمين” في وثائق ظهرت خلال قضية “مؤسسة الأرض المقدسة”، ثم في الطريقة التي يمكن أن يتحول بها هذا الرصيد المؤسسي إلى أداة سياسية عند دخول الانتخابات إلى المشهد.

خلال مؤتمر الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية في ديترويت، لم يقتصر حضور السيد على إلقاء كلمة أمام الحاضرين. ووفق تقارير عن المؤتمر، أقامت حملته جناحاً انتخابياً داخل القاعة حمل اسم “عبدول لمجلس الشيوخ”، مع دعوات للتبرع والتطوع وتوزيع مواد انتخابية، بينما قدمه الرئيس التنفيذي للجمعية أزهر عزيز أمام جمهور بلغ نحو ألف شخص في الجلسة المعنية.

هذه التفاصيل تفتح الباب أمام قضية تتجاوز المرشح نفسه: كيف يمكن لمؤسسات دينية تمتلك جمهوراً منظماً وشبكات اتصال ومساحات اجتماعية أن تتحول إلى منصات ذات قيمة انتخابية، وكيف يمكن لشبكات الإسلام السياسي التي راكمت نفوذها عبر هذه المؤسسات أن تستفيد من هذه البنية عند انتقالها إلى المجال السياسي.

“الإخوان” وبناء النفوذ المؤسسي

لا يبدأ هذا المسار مع عبد الرحمن السيد، بل يعود إلى تاريخ أقدم لبناء شبكات الإسلام السياسي داخل أمريكا الشمالية.

في مذكرة استراتيجية مؤرخة في 22 مايو/أيار 1991، وُصفت بأنها “المذكرة التفسيرية حول الهدف الاستراتيجي العام للجماعة في أمريكا الشمالية”، وردت لائحة بعنوان “منظماتنا ومنظمات أصدقائنا”، ظهر فيها اسم “الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية” ضمن المؤسسات المدرجة. وظهرت الوثيقة لاحقاً ضمن أدلة قضية “مؤسسة الأرض المقدسة”.

تكشف الوثيقة تصوراً واضحاً لبناء نفوذ “الإخوان” عبر شبكة من المؤسسات والعلاقات والأنشطة المجتمعية، بدلاً من الظهور كحزب سياسي أمريكي معلن. وهذه ليست تفصيلاً هامشياً، لأن جوهر هذا النموذج يقوم على بناء القوة تدريجياً داخل المجتمع، من خلال مؤسسات قادرة على الوصول إلى الجمهور وترسيخ شبكات العلاقات، ثم الاستفادة من هذا الحضور عندما تصبح البيئة السياسية مواتية.

لهذا لا ينبغي التعامل مع السجل التاريخي باعتباره مجرد وثائق قديمة منفصلة عن الواقع، فهو يوضح إحدى الأدوات الأساسية التي اعتمدتها شبكات الإسلام السياسي: بناء مؤسسات تمتلك الجمهور والمساحات والعلاقات، ثم تحويل النفوذ الاجتماعي المتراكم إلى قدرة على التأثير.

كما ظهرت الجمعية في سجلات قضية “مؤسسة الأرض المقدسة”، التي انتهت بإدانة المؤسسة وخمسة من قادتها بتهم تتعلق بتقديم دعم مادي لـ”حماس”. ولا يعني ذلك تلقائياً أن كل نشاط تقوم به الجمعية اليوم مرتبط بـ”الإخوان” أو أن واقعة ديترويت تشكل في حد ذاتها مخالفة قانونية، لكن هذا التاريخ يجعل البنية المؤسسية جزءاً أساسياً من قراءة المشهد، وليس خلفية يمكن تجاهلها.

حملة تدخل إلى بنية جاهزة

لم تبدأ حملة السيد من الصفر، فقد دخلت إلى فعالية تمتلك جمهورها وتنظيمها ومساحتها واتصالاتها، وهي عناصر تمثل قيمة سياسية مباشرة لأي حملة انتخابية.

بحسب التقارير المنشورة عن مؤتمر ديترويت، عملت الحملة من جناح داخل قاعة المؤتمر، ووضعت لافتات تحمل اسمها، وأتاحت وسائل للتبرع والتطوع، فيما جرى توزيع مواد انتخابية واستقطاب داعمين.

وهذا يغيّر طبيعة السؤال. القضية لم تعد مجرد مشاركة مرشح مسلم في فعالية دينية، بل تتعلق بالكيفية التي تحولت بها فعالية لمؤسسة إسلامية إلى مساحة لنشاط انتخابي منظم.

القانون الأمريكي يفرض قيوداً على نشاط المؤسسات المعفاة ضريبياً، ويحظر عليها التدخل المباشر أو غير المباشر في الحملات الانتخابية لصالح مرشح أو ضده. وفي ظروف محددة يمكن لهذه المؤسسات استضافة المرشحين، لكن ضمن قواعد تفرض الحياد وعدم استخدام موارد المؤسسة لمصلحة حملة بعينها.

على هذه الخلفية، طلب النائب كيث سيلف من مصلحة الضرائب التحقيق في نشاط الجمعية خلال المؤتمر، بعد التقرير الذي تحدث عن وجود جناح انتخابي للحملة داخل الفعالية. ويظل الطلب مطالبة بإجراء التحقيق لا حكماً بوقوع مخالفة.

لكن جوهر القضية واضح: إذا كانت مؤسسة دينية قد وفرت مساحة أو موارد أو وصولاً منظماً إلى جمهورها لمصلحة حملة محددة، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بالخطاب الديني أو المشاركة المدنية، بل بالحدود الفاصلة بين المؤسسة والنشاط الانتخابي.

من المنبر إلى النفوذ السياسي

تزداد دلالة الواقعة مع طريقة تقديم السيد إلى جمهور المؤتمر. فقد قدمه أزهر عزيز، الرئيس التنفيذي للجمعية، باعتباره المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ميشيغان، في وقت قالت فيه قيادة الجمعية إنها لا تؤيد حزباً أو مرشحاً بعينه.

هذا التناقض الظاهري بين إعلان الحياد ووجود نشاط انتخابي منظم داخل المؤتمر يجعل استخدام البنية المؤسسية محور القضية.

هنا تظهر إحدى السمات الأساسية لمشروع الإسلام السياسي الذي تبنّته شبكات “الإخوان” تاريخياً. القوة لا تحتاج دائماً إلى الظهور في صورة حزب سياسي أو حملة انتخابية مباشرة. يمكن بناؤها عبر مؤسسات دينية واجتماعية وتعليمية وخيرية تمتلك جمهوراً منظماً، وتوفر قنوات اتصال مستمرة، وتراكم علاقات داخل المجتمع، ثم يصبح هذا الرصيد قابلاً للتحويل إلى نفوذ سياسي.

هذا هو الفارق بين المشاركة السياسية الفردية وبين توظيف بنية مؤسسية كاملة في المجال الانتخابي. المواطن المسلم، مثل أي مواطن أمريكي، يملك حق دعم المرشحين أو الترشح للمناصب. أما عندما تدخل مؤسسة ذات موارد وجمهور منظم في عملية تعبئة مرتبطة بمرشح محدد، فإن القضية تنتقل إلى مستوى آخر تماماً.

المسألة، إذاً، ليست في ديانة المرشح ولا في حق المسلمين الأمريكيين في ممارسة السياسة، بل في قدرة مؤسسات ذات تاريخ طويل من العمل المجتمعي على تحويل نفوذها التنظيمي إلى قوة انتخابية.

الاختبار يتجاوز السيد

أهمية واقعة ديترويت لا تتوقف عند السيد، لأن جوهرها يتعلق بنموذج أوسع لنفوذ الإسلام السياسي في الولايات المتحدة.

لم يبنِ “الإخوان” نفوذهم في الغرب من خلال إعلان أنفسهم كحزب سياسي ينافس على السلطة. اعتمد المشروع على بناء شبكة مؤسسات قادرة على الحضور داخل المجتمع، واستقطاب الجمهور، وإنتاج العلاقات، ثم الاستفادة من هذا الرصيد في المجال العام والسياسي.

لهذا تصبح الانتخابات لحظة اختبار حقيقية لهذه البنية. المؤسسة التي تمتلك جمهوراً منظماً ومساحة للتجمع وقنوات للتواصل تستطيع أن تمنح المرشح أكثر من منصة خطابية؛ يمكنها أن توفر له وصولاً مباشراً إلى قاعدة اجتماعية جاهزة للتعبئة.

وهذا تحديداً ما يجعل واقعة ديترويت جديرة بالتدقيق. من وفر المساحة؟ من أتاح المنصة؟ كيف جرى تنظيم الوصول إلى الجمهور؟ ما الموارد التي استخدمت؟ وهل كانت هذه الفرص متاحة للمرشحين الآخرين وفق الشروط نفسها؟

إذا أثبت التحقيق أن موارد مؤسسة دينية معفاة ضريبياً استُخدمت لصالح حملة بعينها، فستكون القضية قانونية قبل أن تكون أيديولوجية. وإذا لم يثبت ذلك، تبقى الواقعة مثالاً واضحاً على القيمة السياسية التي يمكن أن توفرها المؤسسات الدينية للمرشحين الذين يسعون إلى الوصول إلى جمهور منظم.

أما “الإخوان”، فلا ينبغي اختزال النقاش حولهم في سؤال عضوية تنظيمية مباشرة. الأهم هو فهم نموذج النفوذ الذي يقوم على بناء المؤسسات وتوسيع شبكات العلاقات ثم استخدام هذا الرصيد عندما تتقاطع المصالح الاجتماعية مع السياسة.

من هذه الزاوية، تصبح واقعة ديترويت أكبر من حملة مرشح واحد. إنها نافذة على الطريقة التي يمكن أن ينتقل بها النفوذ من المسجد والمؤسسة والجمعية إلى صناديق الاقتراع، وعلى قدرة شبكات الإسلام السياسي على تحويل العمل المؤسسي طويل الأمد إلى حضور سياسي.

وهنا تكمن أهمية تفكيك نموذج “الإخوان”: ليس بوصفه مجرد خطاب ديني، بل باعتباره مشروعاً لبناء النفوذ عبر المؤسسات، ثم توظيف هذا النفوذ عندما تفتح السياسة أبوابها.