أجرى الحوار نور الدين بالطيب
أجرى الحوار نور الدين بالطيب

مقالات مشابهة

تهافت الفكر الأصولي (2-2)

محمد الحداد: “الثورات العربية” فشلت ولا بدَّ من إحياء مشاريع الجابري وأركون ومروة!

أجرى الحوار نور الدين بالطيب
أجرى الحوار نور الدين بالطيب

يَعتبر الباحث التونسي محمد الحداد أن ما سُمي بـ”الثورات العربية” فشل والوضع الدولي والإقليمي تغيّر، لكن المثقف العربي لم يستوعب ذلك، ويرى أن الجامعة العربية تخلت عن دورها، مؤكداً أن الفكر الإصلاحي والتحديثي يحتاج إلى بيئة حاضنة، داعياً إلى استعادة المشاريع الفكرية في نقد العقل العربي وقراءة التراث وإحياء الاهتمام بأعمال الجابري وأركون ومروّة.

في الجزء الثاني من هذا الحوار مع “غلوبال ووتش عربية”، يقدّم المفكر التونسي محمد الحداد قراءة نقدية لمسارات الثورات، معتبراً أن إخفاقها في التحوّل إلى مشاريع إصلاح ملموسة فرض واقعاً جديداً يستدعي مراجعة المفاهيم والأدوات التي حكمت التفكير العربي منذ عام 2011.

ولا يتوقف الحداد عند السياسة، بل يوسّع النقاش ليشمل أزمة الفكر العربي ومآلات مشاريع نقد العقل والتراث، وتراجع دور الجامعة في إنتاج المعرفة وترسيخ التفكير النقدي، في زمن تتصاعد فيه تأثيرات المنصات الرقمية وتتراجع فيه مكانة الكتاب والقراءة. وبين نقد الخطابات السائدة والدعوة إلى استعادة المنجزات الفكرية التأسيسية، يشدّد على ضرورة إطلاق إصلاح تربوي وثقافي عميق، رغم ما يواجهه من عوائق سياسية ومالية، بوصفه مدخلاً لاستعادة قيم المواطنة والحداثة والاختلاف.

فيما يلي نص الحوار:

– كتبتَ كثيراً عن الثورة والديمقراطية، كيف ترى حصيلة الثورات العربية والديمقراطية خاصة في تونس؟

محمد الحداد: في الحقيقة، يصعب الحديث اليوم عن مشهد ديمقراطي، لأن الثورة في رأيي هي عملية جراحية إما أن تفشل أو تنجح، والثورات العربية لم تنجح، وأنا قلت هذا منذ سنة 2016 في كتابي “الدولة العالقة”.

الثورة ليست هدفاً في حد ذاتها، بل الإصلاح هو الهدف، والثورة هي طريقة من بين طرق تحقيقه، فإذا كنّا أمام نظام يرفض الإصلاح، ستحصل الثورة؛ فهي ليست غاية، فإمّا أن ننتقل إلى إصلاح حقيقي، أو أن نبقى في دائرة مغلقة.

ما سُمي بـ “الثورات العربية” فشل وانتهى، وينبغي أن نفكّر بطريقة أخرى بعيداً عن الثورة والديمقراطية. نحن الآن أمام وضعيات صعبة جداً، لأن المجتمعات العربية منهارة إما بفعل هذه الثورات، وإمّا بفعل ما يحدث في البلدان المجاورة. 

كل المنطقة متضرّرة بسبب ما حصل من ثورات أضعفت الدول، أو لأنّها تجاور بلداناً وقعت فيها ثورات. نحن أمام واقع جديد، هناك بلدان غربية تبحث عن نهب أكبر ما يمكن من الثروات العربية، وهناك مشروع إسرائيل الكبرى، وهو مشروع حقيقي، لا مجرد كلام.

وكما أعلن هرتزل قبل قرن عن إقامة إسرائيل، اليوم يعلنون صراحة عن إسرائيل الكبرى، ويمارسون ذلك في لبنان وسوريا والضفة الغربية وغزّة، وسيتواصل هذا المشروع. وإذا لم نفهم ذلك، وظللنا نجترّ الخطاب القديم حول الديمقراطية، فلن نصل إلى شيء.

كانت هناك فرصة تاريخية لو نجحت هذه الثورات وتحوّلت إلى مشروع إصلاحي حقيقي، اقتصادي وتربوي وصحّي، يلمس نتائجه عامّة الناس، فعندئذٍ سيتفاعلون مع هذا المشروع ويدافعون عنه لأنّهم لمسوا نتائجه.

لكن الناس لم يلمسوا أي تغيير في حياتهم، بل ازداد الأمر سوءاً، لذلك انتهت هذه الثورات. المثقفون العرب لا يريدون الإقرار بهذا، وما زالوا يمارسون الخيال العلمي وليس الخيال السياسي.

كانت هناك احتجاجات مشروعة من أجل الحرية والكرامة، لا أحد يستطيع أن ينفي شرعية هذه المطالب، لكن المسار انحرف للأسف، بسبب التدخّل الخارجي وقوى أخرى استغلت هذه الاحتجاجات. حاولت الجماهير استعادة الثورة، لكنّها لم تنجح، وعلينا أن نفهم أن الوضع تغيّر عمّا كان عليه عام 2010؛ فنحن نعيش حالة ضعف مطلق.

بالنسبة للوضع الإقليمي، في 2010 كنّا أمام نظام عربي ضعيف لكن متماسك وفيه بعض الثوابت، أما اليوم فكل دولة في مأزق وتحاول إنقاذ نفسها، ولو على حساب الآخرين.

اليوم، نحن أمام وضع إقليمي مختلف، ولا يمكن أن نفكر في 2026 كما كنّا نفكّر سنة 2010، لأن الوضع الدولي والإقليمي مختلف تماماً، لقد تغيّر العالم وتغيّرنا نحن، والمثقفون الذين لم يستوعبوا بعد هذا التحوّل ويفكّرون بالعقلية القديمة نفسها، ويتحدّثون عن مرحلة جديدة من الثورة، هؤلاء هم مثقّفو الخيال!

– عرفنا في التاريخ المعاصر مجموعة من المشاريع الفكرية في نقد العقل العربي والدعوة إلى قراءة جديدة للتراث، مثل محمد عابد الجابري والطيب تزيني وحسين مروة ومهدي عامل وحسن حنفي ومحمد أركون، الذي اهتممت به اهتماماً خاصاً، كيف ترى هذه المشاريع اليوم؟

– هذه القراءات أساسية وينبغي أن نعيد تداولها، لأن ما حصل بعد الثورات العربية أن بعض القوى أرادت أن تُنتج مثقفين آخرين؛ أرادت إلغاء كل هذه الأسماء وغيرها ممن ذكرت، وأن تقنعنا بأن بعض المثقفين اليوم لهم حلول أفضل من مقترحات هؤلاء المؤسسين.

وهؤلاء الذين أقصدهم، هم الذين لم يفرضوا أنفسهم في المشهد العربي بقوة مشاريعهم الفكرية، بل بالتسويق الإعلامي فقط، لأن المفكرين الذين ذكرتهم فرضوا منجزهم الفكري عبر سنوات طويلة، من خلال كتبهم ومحاضراتهم، وليس بالتسويق الإعلامي الذي تموّله بعض المؤسسات التي تملك سطوة مالية.

ورغم الأموال التي أُنفقت لترويج هؤلاء بوصفهم “مفكرين”، لم ينجحوا في تغييب المشاريع الأساسية في نقد العقل العربي. وبالتالي، لا بد من العودة إلى هؤلاء المفكرين الذين قاموا بجهود فكرية عديدة في نقد العقل العربي وتقديم قراءة جديدة للتراث. ولهذا السبب تحديداً كتبت كتاباً عن محمد أركون.

فإلى جانب صداقتي الشخصية مع أركون – وهو ما أسميه واجب الذاكرة – رأيت ضرورة تقديمه إلى الشباب العربي. وكذلك حسين مروة، الذي صدرت كتبه في طبعة جديدة، وغيرهما من المفكرين الذين أسسوا لقراءة جديدة لتراثنا. 

وحين نفقد هؤلاء، أو الأصح نفقد شغف قراءتهم والعودة إلى كتبهم، سنعود إلى القراءة التقليدية للتراث، فهؤلاء هم الذين قدّموا قراءات معاصرة، رغم الاختلاف بينهم. هذا الاختلاف لا بد من تثمينه، لأن الحداثة لا تقوم على رأي واحد، ونحن لا نبحث عن الرأي الواحد بل نبحث عن تراث يكون محل جدل ومجال اختلاف وليس تراثاً واحداً مفروضاً على الجميع.

أعيد التذكير بالكلمة الجميلة التي قالها الجابري: “نحن لا نريد أن نكون كائنات تراثية، نحن نريد أن نكون كائنات ذات تراث”، فهناك فارق بين أن نكون كائنات لا تفكّر ولا تستعمل العقل، وبين أن نكون كائنات ذات تراث، أي أن يكون التراث جزءاً منّا نتعامل معه انطلاقاً من موقعنا اليوم، وبناءً على ما وصلت إليه المعرفة البشرية التي لم تعد كما كانت في القرن الخامس أو السادس.

– في السنوات الأخيرة، تراجع الاهتمام بالكتاب والقراءة، وتحوّل المؤثّرون والناشطون على شبكات التواصل الاجتماعي إلى “قادة رأي”، وهو سبب الانهيار الثقافي الذي نعيشه، هل تتبنّى هذه السردية؟

– أعتقد شخصياً أن الوقت لم يحن بعد لتقييم هذا العالم الجديد، نحن فعلاً أمام واقع جديد وظواهر جديدة لكن يصعب تقييمها الآن، نحتاج إلى وقت أطول لإجراء تقييمٍ موضوعي. ثم إن المسألة مرتبطة بقدرة أو عدم قدرة المؤسسات الأخرى على مجاراة هذه التحوّلات، والتأقلم مع المعطيات الجديدة والثورة الرقمية.

وأسوق مثالاً على ذلك: هل تنشر الجامعات اليوم المعرفة وقيم البحث العلمي والتربية على مبدأ الاختلاف وتعميق السؤال النقدي أم لا؟ وإذا تخلّت الجامعة عن دورها هل نلوم جهات أخرى؟ هذا هو السؤال، فمن الخطر أن تتخلّى الجامعة بكل مكوناتها من أساتذة وطلبة ومراكز بحث عن دورها الأصلي وتتحوّل إلى مؤسسات للتكوين المهني. وهذا يذكّرني بكتاب صدر لي قبل سنوات، كان في الأصل درساً افتتاحياً في إحدى مؤسسات التعليم العالي، بعنوان: “ما الجامعة؟” 

ينبغي أن نطرح اليوم هذا السؤال: ماذا نريد من الجامعة؟ فلدينا جامعات كثيرة لكن لسنا متفقين على هويّتها. بالنسبة لي، الجامعة ليست مؤسسة تكوين مهني، وإن أردناها كذلك، ينبغي أن نحذف كلمة جامعة.

– تعقيباً على تشخيصك لواقع الجامعة، ألا ترى أنّنا نحتاج إلى إصلاح تربوي عميق في كل مستويات التعليم، وإصلاح ثقافي أيضاً لخلق مواطن متشبّع بقيم المواطنة والحداثة والاختلاف؟

– نعم، نحن نحتاج إلى إصلاح عميق بلا شك وعاجل أيضاً، لكن للإصلاح شرطان، الأوّل هو الاتفاق على رؤية مشتركة للإصلاح، والثاني متعلّق بالإمكانيات المالية، وللأسف نحن لا نملك لا هذا ولا ذاك. فمن أجل إعادة النظر في البرامج التعليمية وإصلاحها، نحتاج إلى المال وهو غير متوفر!

لذا، أرى أن الإصلاح مسألة شبه مستحيلة للأسباب التي ذكرتها. لكن في المقابل، علينا أن نعمل على إنشاء حاضنة اجتماعية تنخرط في المشروع الإصلاحي والحداثي، وترميم ما يمكن ترميمه في انتظار توفّر شروط المراجعة الكاملة والشاملة. وهذا يحتاج إلى سنوات من العمل ونشر فكر التحديث والمواطنة؛ فنحن اليوم في وضع “مقاومة” وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

سيرة موجزة

الدكتور محمد الحدّاد، أستاذ في المعهد العالي للغات بتونس، ومن أبرز أساتذة الحضارة في الجامعة التونسية، وهو متخصّص في فكر الإصلاح والنهضة العربية والأديان المقارنة. أثرى المكتبة العربية بعدد كبير من الكتب والدراسات الصادرة بين بيروت وتونس، كما درّس كأستاذ زائر في جامعة بولونيا بإيطاليا.

اهتم الحدّاد في منجزه الفكري بنقد الخطاب الديني والفكر الإصلاحي وقضايا الإسلام السياسي، مستعيداً سير روّاد النهضة العربية. ومن أبرز مؤلفاته “حفريات تأويلية في الخطاب الإصلاحي العربي”، و”محمد عبده: قراءة جديدة في خطاب الإصلاح الديني”، و”الإسلام: نزوات العنف واستراتيجيات الإصلاح”، و”ديانة الضمير الفردي ومصير الإسلام في العصر الحديث”، إلى جانب “التنوير والثورة” و”قواعد التنوير”، التي تناول فيها قضايا الفكر الديني والسياسي والدولة والمجتمع.