الرهان، في لسان التكوين، ليس على الإفادة، ليس على الإخبار، ليس على معلومة المجّان، الكامنة في الإحاطة بخارطة الظاهرة، ولكن في تحديد الموقف من واقع وجودي، يستجدي برهاناً، لا وجود له خارج المفهوم. أي أن المفهوم هنا يلعب دور قرون الاستشعار في استكشاف هوية تبدو معلنة، بمنطق الحسّ، ولكنها محتجبة فيما إذا حوكمَتْ بسلطان الحدس، حتّى إذا شئنا استجواب ملفوظة في مقام ظاهرة، غير ظاهرة، مثل الجنّ، في لغة التكوين، فوجئنا بعبارة: آلهِين، الملفّقة من شقَّين هما: «إلّا» الدالّة على الوجود، و«هين» الدالّة على «هناك».
والسرّ كلّه إنّما تترجمه مفردة «هناك» هذه، التي لا تعني هنا مجرّد نعتٍ للإفادة بحضور جُرمٍ مّا، خارج حدود الواقع الراهن، ولكنها تستنزل، في المفردة، إيماءً أبَت ماهيّة اللغة منذ الأزل إلّا أن تكون له شفيعاً، لأن فروسيّتها لا تكمن في التعبير، ولكن في القدرة على التجفير، لأن رسالة الخطاب هي الإيماء، وليس في القدرة على البوح بما أخفته السيماء؛ و«هناك» هنا هي الحجّة على هذه الحيلة، لأنها مجرد إشارة، وليست عبارة؛ ولكن الرهان هو على الإشارة بالذّات، لما تُخفيه من ثروات، تحرّض على الجود بالنزيف للسطو على مفهومها، حتّى إذا كان حضور جرم مّا، خارج نطاق حاسّة البصر، ما نسمّيه في العربية «جاناً»، لم تجد عبقرية إنسان التكوين ما يمكن أن تحاجج به في منطقها سوى كلمة مبهمة مثل «وجود هناك»، لتطلق سراح خيالنا، لكي نكتشف بأنفسنا، بمواهبنا، ماهيّة هذه الكينونة الخفية، التي لم يجد سدنة معبد اللغة ما يعبّرون به، لكي يزكّوها لنا، سوى هذه الإشارة الطفولية، تعبيراً عن هويّتها اللاأرضيّة، أو، بالأصحّ، اللامرئية، فأعجزت منطق الأنام، ليجدوا لها ترجمةً في كلمة «روح»، المشتقّة من هبة جادت بها الطبيعة وهي: الريح، سواء في العربية أو في َالعبرية؛ ولكن العبرية بالذّات لم تقنع بهذا التحديد، ورأته تجديفاً، عندما أطلقت إسم «غوليم» على البدن الذي يحقّق حضوراً في الظاهرة، ولكنه يغترب بالروح عن ماهيّة الوجود الحرفي؛ لأن «غوليم» في لسان إنسان التكوين إنّما يعني حرفياً: النّطع. أي جلد الحيوان، الذي يغترب فيه حضور الحيوان، المترجَم في أنفاسٍ، هي شرطٌ أول في أبجدية هوية أي كائن حيّ: هذه الريح التي تهندس معجزة باسم الروح، في لغات التكوين. فـ«النطع» شبح إنسان، ولكنه بالخواء من شفرة الروح، ليس إنساناً، إلّا في منطق الأسطورة، لأنها هي التي تملي ناموسها القائل بوجود أناسٍ هم بالأبدان فقط أنام، أمّا بالروح فهم مجرد أشباح! أي أن التحدّي هنا هو في البحث المستميت، لإنتاج مفهوم لماهيّة «الشبح»، بوصفه استعارةً، للتعبير عن ماهية هذه الملّة، التي لا تحقّق حضوراً في الواقع الحرفيّ، إلّا بما تستنزله في حقّها الطبيعة، من هياكل الظاهرة، ولكن لا وجود في تجربتها على ما يبرهن لانتمائها إلى طينة الإنسان وهو: الروح، لتكون مسوح النّطع، في حق غوليم، هو الإسم المستعار.
فالتحدّي، في لغة التكوين، هو وجوب التوصّل إلى حلّ، للتعبير عمّا لا يمكن التعبير عنه بالعبارة، وهو: هذا الواقع المُسربَل بمسوح المجهول، المدعو في خطاب إنسان البدء بلفظة: «هِين»، الدالّة على «هناك»، في محاولة لإيضاح الموقف من مملكة (الجنّ)، التي تتراطن في الصحاري، فنسمعها، دون أن نفلح في تمييز مفرداتها، وقد تنتصر على نواميس اغترابها، فتتبدَّى أشباحاً، أو أشباهاً، دون أن نفلح في التحقّق من حقيقتها.
من المثير أن نلاحظ أن «هِين» في أمازيغية الصحراء، الدالّة على «هناك»، أنشودة تعتنقها الألمانية أيضاً في ذات الحرف، وبذات المدلول، في «hin».
ليس هذا وحسب، ولكن اليونانية تأبَى إلّا أن تعكس الآية، فتطلق كلمة ekei، الدالّة على «هناك»، التي تعني في لسان التكوين البرّي: «هنا»، إشباعاً لنزعة توحيد الأضداد، كلعبة شيّقة، تستهوي اللغات، فتتبنّاها الإسبانيّة، في aqui (أكي)، الدالّة على «هنا»، استعارةً من لسان التكوين البرّي، الأمازيغي، الدالّ على ذات المعنى، ولكن في صيغة حركة، أي بالدلالة التي يمكن أن يجود بها علينا فعل «أقبِل»، أو «أقدم إلى هنا»!
فما هو «آلهين»، الدالّ على الجن، في مفهوم إنسان التجربة البدئيّة؟
التركيب سيقول أن الـ«إل» هي حضور، و«هين» هي: هناك، وهناك هي مستودع الاستسرار، الواعد بإهدائنا مفتاح الخزانة، خزانة المجهول، الذي يقف على الفحوى وصيّاً، ويعني أيضاً الماوراء، أي: الخفاء!
أي وجود مجهول مّا، في واقع الماوراء، المجهول أيضاً، لأنه خارج مسرح البصر، فنستطيع أن نتخيّله، ولكن دون أن نأمل في الإيقاع به حرفاً، على الرغم من قدرته أحياناً على خوض مغامرة التبدّي شبحاً، لنموذجٍ نبوي، سوّقناه في مفردة: «رئيّ»، تقديراً لمواهبه الرؤيوية، ما لبث أن استعار، في العُرف، منزلة منظومة، زكّتها لنا اليونانية في كلمة مركّبة هي: ميتافيزياء، للتعبير عن عالمٍ كامل، يستوطن الخفاء. وهي بُنية تعبيرية مستعارة من معجم إنسان التكوين الصحراوي، مكوّنة من كلمتين: مِيتا، الدالّة على التحوّل، وفيزيس اليونانية، الدالّة في لغة التكوين على: الضياء. لماذا الضياء؟ الجواب: لأننا نستطيع أن نتباهى بحضورنا في مملكة الظاهرة، فقط بفضل الضياء، حتّى إذا اغترب عن واقعنا، غرقنا في الظلمات! أي صرنا غنيمة الماوراء، كمستوطنة أشباح، أمثال الجن، أو «آلهين»، المعتنق لدين الإختباء! فنستشعر وجوده حدَساً، ولكن هيهات أن نفلح في استحضاره حسّاً! على الرغم من أننا لا نستطيع أن ننفيه من تجربتنا، فنحكم بعدم وجوده، مادام الرئيّ يحاجج بحضوره في رحاب واقع اللاواقع ببرهان الحسّ أيضاً، لا وَحياً من ترف، ولكن للبرهنة على وجود ذلك الواقع اللاواقعي، الذي أبت عبقريته إلّا أن تنتج واقعنا «الفاني»، لأنه، في المعادلة، وحده الخالد، أمّا واقعنا المرئي فهو وحده الباطل! هذا الجدل هو ما لفَّقَ روح التحدّي، في عقل إنسان التكوين، عبّرَ عنه بمصطلح «آلهين»، المركّب من «الـ» هي الوجود، و«هين»، الماوراء، الدالّة في الحرف على «هناك»، الموحية بذخائر ما لا يُرَى، والمترجمة للُقية غيبيّة هي: التحوّل في إيماءة ماكرة، بقدر ما هي مُلهمة، لأن الحقيقة ليس لها أن تسكن دنيا الباطل، الفاني بطبيعته، ولكنها نزيلة ملكوت الخافية، التي لم تكن لتُهيمن على النفوس في مانعٍ منيع هو الحجاب، إلّا لتبرهن على وجود الصانع الماهر، الذي يتفرّج على مهزلتنا الفانية، من وراء حجاب!
الصانع الماهر، الذي لم يكن لينتحل منزلة الماهر بحقّ، ما لم يسكن الـ«هناك»، في صيغة ekei اليونانية، إلّا ليسكن الـ«aqui»، أي «هنا» الاسبانية، لأنه الروح التي تُحيي، وواقعنا هو حرفه، الذي لا يُميت، إلّا لأنه مَيّت! والرهان ليس على ما نراه، ولكن الرهان على ما استخفى، لأنه قيمة أبد، أمّا ما نراه فهو غنيمة أمد!
عندما يتعلّق الأمر بالمفهوم، ليس لنا أن نتجاهل دور علم الأصوات في تحديد الموقف من الدلالة في الكلمات، سيّما إذا استوعبنا، حرف الدرس، الذي يحقّقه المنطوق، كصوت، في هوية أحكام حاكم هو المنطق، بوصفه علمٌ لضبط نبضٍ وجداني، قبل أن يستوي في هوية ترجمان، كما هو القول، كنداء وجودي؛ وليس عبثاً أن اللحن في الملفوظة يلعب دور العرّاب في تجربة الجملة اللغوية. ففي الحملة الباسلة التي قادها لسان التكوين، في نحت المفاهيم، من صلد الواقع البيئي، الطبيعي، المنيع، نجد كلمة ekei البدْئيّة، في شقّها اليوناني، ثم aqui في فرعها الإسباني، منطوقة «آكي» الدالّة في لسان التكوين الصحراوي، من جانبٍ، على: الإقبال المكاني، ثم على إسم لحمولة جليلة هو: الجذر، بوصفه الرمز الشرعي، للتعبير عن كل ما استخفَى، كما تتغنَّى اليونانيّة والإسبانيّة، فيما احتجب من وراء، في كلمة «هناك»، كأنَّ لسان البدايات يريد أن يلقّننا الدرس الذي يقول إيماءً أن الألوهة، هي الجذر الذي استتر، في حرف الكينونة!
مَن احترف معاندة شقاوات اللغات وحده يستطيع أن يلاحظ كيف يروق هذه العضلة الشقيّة أن تتعامل مع واقع الإنسان، كصاحب عرفان، فتتعمّد التلاعب بحروف الأبجديّة، معتنقةً دين الضديّة، بتدوين الكلمة معكوسةً، كجنسٍ في تبنّي التمويه الماكر، الذي لا يخلو من إيماء ذي معنى كما في كلمة ekei اليونانية الدالّة على لقية تتوارَى وراء أسوار «هناك» المسكونة بثروة غيبيّة، لتأتي الاسبانية فتستعيرها كترجمان معاكس تماماً هو «هنا» في aqui المنطوقة بنفس النبرة الصوتية «أكي»، لتأتي لغة التكوين الصحراوية فتجبّ الغنيمة في معنى الجذر، كمفهوم يأبَى إلّا أن يزاوج بين الذات والموضوع، بين الجليّ والخفيّ، بين الوجود والعدم، بين الخالد والبائد، بين العاجل والآجل، بين الباطن والباطل، وعلى عاتقنا نحن يقع واجب تحديد موقفنا من المبارزة، لأن على ضوء هذا الموقف، سوف يتحدّد موقفنا من الصفقة.












