خرجت المواجهة حول سياسة الهجرة الأميركية من الحدود والمحاكم ومراكز الاحتجاز إلى مساحة أكثر حساسية: الكنائس والمعابد ودور العبادة. ومع انتقال النزاع إلى هذه المؤسسات، لم يعد السؤال مقتصراً على حق الحكومة في توقيف مهاجر مخالف للقانون، بل أصبح متعلقاً بحدود الطريقة التي تستطيع بها الدولة استخدام سلطتها عندما يؤدي تطبيق القانون إلى التأثير في ممارسة الشعائر الدينية نفسها.
في 18 أغسطس/آب، أيدت محكمة الاستئناف الفيدرالية للدائرة الرابعة أمراً قضائياً أولياً يقيّد عمليات إنفاذ قوانين الهجرة في ثماني جهات دينية مرتبطة بجماعات كويكرية وسيخية ومعمدانية. ووجدت المحكمة، في هذه المرحلة من النزاع، أن سياسة وزارة الأمن الداخلي قد تخالف “قانون استعادة الحرية الدينية” المعروف اختصاراً بـRFRA، بعدما قدم المدعون أدلة على أن احتمال تنفيذ عمليات للهجرة داخل أماكن عبادتهم أو بالقرب منها يؤثر في قدرتهم على إقامة الشعائر وخدمة مجتمعات تضم مهاجرين.
الحكم لا يحول الكنائس والمعابد إلى مناطق خارجة على القانون، ولا يمنح كل دار عبادة في الولايات المتحدة حصانة من أجهزة الهجرة. نطاق الحماية يقتصر على المدعين في القضية، كما أن الأمر القضائي مؤقت ولا يمثل حكماً نهائياً في أصل النزاع. كذلك امتنعت المحكمة في هذه المرحلة عن الفصل في الادعاءات الدستورية المتعلقة بالتعديل الأول، وركزت على الحماية التي يوفرها RFRA.
حُمّى “التقدير الميداني”
بدأ الخلاف بعد أن ألغت إدارة الرئيس دونالد ترامب، في يناير/كانون الثاني 2025، سياسة كانت تفرض قيوداً على عمليات وكالة الهجرة والجمارك وحماية الحدود داخل أو قرب ما عرف بـ”المناطق المحمية”، وبينها دور العبادة والمدارس والمرافق الصحية.
وكانت إرشادات 2021 قد وسّعت سياسة تعود جذورها إلى توجيهات للهجرة منذ التسعينيات، وتطورت لاحقاً عبر قواعد أكثر تفصيلاً. وفي الظروف العادية، كانت تلك السياسة تدعو إلى تجنب إجراءات الإنفاذ في المواقع الحساسة، مع السماح باستثناءات مرتبطة بمخاطر أمنية أو عنف وشيك أو مطاردة عاجلة.
الإدارة الجديدة ألغت تلك الحدود الأكثر وضوحاً، ومنحت عناصر إنفاذ القانون مساحة أوسع لاستخدام التقدير الميداني و”الحس السليم”. وبررت وزارة الأمن الداخلي القرار بأن الأشخاص المطلوبين لا ينبغي أن يستخدموا المدارس أو الكنائس وسيلة لتجنب الاعتقال.
وبعد حكم الاستئناف، كررت الوزارة أنها لا تستهدف دور العبادة، لكنها شددت على أن وجود شخص خطر داخل أحدها قد يجعل التدخل ضرورياً لحماية السلامة العامة.
هذه الحجة لا يمكن تجاهلها. فوجود مؤسسة دينية لا يلغي تلقائياً سلطة الدولة في تطبيق القانون، كما أن الحرية الدينية لا تحول أي مكان عبادة إلى ملاذ قانوني للمطلوبين.
لكن الجماعات الدينية المدعية دفعت بحجة مختلفة: الضرر لا يبدأ فقط عندما يدخل عناصر الهجرة إلى الكنيسة أو المعبد، بل يمكن أن يبدأ قبل ذلك، عندما يصبح احتمال وجودهم كافياً لمنع المؤمنين من الحضور أو تغيير طريقة ممارسة الجماعة لرسالتها الدينية.
القانون المحايد نظرياً
أقرّ الكونغرس “قانون استعادة الحرية الدينية” عام 1993 انطلاقاً من فكرة أن القواعد العامة قد تبدو محايدة تجاه الدين، لكنها تستطيع في التطبيق أن تفرض عبئاً جوهرياً على ممارسة المعتقد.
ويشترط القانون ألا تفرض الحكومة الفدرالية عبئاً جوهرياً على ممارسة دينية إلا إذا أثبتت أن ذلك يخدم مصلحة حكومية ملحّة، وأن الوسيلة المستخدمة هي الأقل تقييداً للحرية الدينية.
لذلك لم يكن السؤال أمام المحكمة: هل تملك الحكومة حق تطبيق قانون الهجرة؟ السؤال كان أكثر تحديداً: هل الطريقة التي اختارتها الحكومة لإنفاذ القانون تفرض عبئاً غير ضروري على الممارسة الدينية، وهل توجد وسيلة أقل تقييداً لتحقيق الهدف الأمني نفسه؟
قدمت الجماعات الكويكرية مثلاً حججاً تتعلق بطبيعة معتقداتها السلمية وخدمة المهاجرين، معتبرة أن احتمال وجود عناصر مسلحين داخل أماكن الاجتماع يؤثر في العبادة والمشاركة. كما استندت الجهة السيخية إلى حرمة الـ”غوردوارا” وطبيعة المكان الدينية، بينما اعتبرت جهات معمدانية استقبال المهاجرين وخدمتهم جزءاً من رسالتها الدينية.
ووجدت المحكمة الابتدائية أن المخاوف لم تكن نظرية فقط، وإنما ظهرت آثارها بالفعل في المشاركة ببعض الأنشطة والشعائر.
حياد الدولة أم تجاهل الدين
القضية تفتح أيضاً نقاشاً أوسع حول معنى حياد الدولة تجاه الدين في النظام الأميركي. فالحياد لا يعني أن الدين يجب أن يختفي من المجال العام، كما لا يعني أن المؤسسة الدينية تصبح أعلى من القانون. الفكرة الأساسية هي منع الدولة من إنشاء دين رسمي أو التمييز بين المعتقدات، مع حماية حق الأفراد والجماعات في ممارسة شعائرهم.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى بعض القيود التي يفرضها القانون على سلطة الدولة باعتبارها وسيلة لحماية الحياد تجاه الدين، لا امتيازاً للمؤسسة الدينية فوق القانون.
فإذا تعاملت السلطة مع دار العبادة باعتبارها مجرد مبنى آخر، من دون النظر إلى أثر إجراءاتها في الممارسة الدينية، فقد تكون القاعدة محايدة في صياغتها، لكنها لا تكون كذلك بالضرورة في نتيجتها.
في المقابل، لا يمنح “قانون استعادة الحرية الدينية” أي جماعة دينية حقاً مطلقاً في تعطيله. بل يفرض اختباراً على الحكومة: هل توجد مصلحة مُلحّة؟ وهل الوسيلة المختارة ضرورية بالفعل؟ وهل يمكن تحقيق الهدف بطريقة أقل مساساً بالممارسة الدينية؟
بهذا يصبح النزاع محاولة لرسم الحد بين سلطتين مشروعتين: سلطة الدولة في إنفاذ القانون، وحق الجماعة الدينية في ألا تتحول هذه السلطة إلى عائق غير ضروري أمام ممارسة معتقدها.
حكم ضيق ودلالة تتجاوز المدعين
لا ينبغي قراءة قرار الدائرة الرابعة باعتباره انتصاراً نهائياً للمؤسسات الدينية على أجهزة الهجرة. فالقضية ما زالت مستمرة، والحماية محدودة بجهات بعينها، والحكومة تحتفظ بإمكان التدخل في الحالات المرتبطة بالأمن والسلامة العامة. كما أن محكمة فيدرالية أخرى رفضت في 2025 طلباً أولياً قدمته 27 جماعة دينية في قضية منفصلة، بعدما رأت أن المدعين لم يثبتوا في تلك المرحلة احتمالاً كافياً لامتلاك الصفة القضائية، ولا سيما في ما يتعلق بربط الضرر بتغيير السياسة وإمكان معالجته بالأمر المطلوب.
وهذا يوضح أن نتائج هذه القضايا لا تعتمد فقط على المبدأ القانوني، بل أيضاً على نوع الأدلة التي يستطيع كل مدعٍ تقديمها لإثبات الضرر.
مع ذلك، تتجاوز دلالة حكم الدائرة الرابعة الجهات الثماني التي يشملها. فالقضية تعيد طرح سؤال قديم في الديمقراطية الدستورية: هل حياد الدولة تجاه الدين يعني التعامل معه كأنه غير موجود، أم الاعتراف بأن الحرية الدينية قد تفرض أحياناً قيوداً على الطريقة التي تمارس بها السلطة صلاحياتها؟
الإجابة التي يقدمها القضاء الأميركي حتى الآن لا تعفي دور العبادة من القانون، لكنها ترفض أيضاً منح أجهزة الدولة سلطة غير مقيدة لمجرد أن القاعدة المطبقة عامة.
بهذا، لا تعني سيادة القانون أن تكون الحكومة بلا قيود، كما لا تعني حماية الحرية الدينية منح المؤسسات الدينية سلطة فوق الدولة. وبين الاثنين توجد المساحة التي تحاول الديمقراطية الدستورية حمايتها: أن تظل الدولة قادرة على تطبيق القانون، من دون أن تتحول هذه القدرة نفسها إلى عبء غير مبرر على حق الناس في ممارسة معتقداتهم.















