أسفار العهد القديم، التكوين تحديداً، تصنّف وظيفة شجرة الجنّة، ولكنّها تتجاهل جنس هذه الشجرة (وأوصى الربّ الإله آدم قائلاً: من جميع شجر الجنّة تأكل، أكلاً، وأمّا شجرة معرفة الخير والشرّ فلا تأكل منها، لأنّك يوم تأكل منها موتاً تموت 2:17،18)، لأن التجديف كان رهين الأخيرة، والإسم الثاني لبطل المغامرة هو: الآثم، التي ليست سوى «آدم»، إنّما اُستُنزِلَ بمفعول تجربة فاكهة الشجرة المعنية، التي استعار منها الآثم إسمه، في لغة المهد، وهو peccat، لتستعيره اللاتينية في ذات الملفوظة وهو: peccatum.
الـ um هذه علامة للتدليل على أسماء الأعلام في اللاتينية. فلغة التكوين، السارية في منطق أهل مسقط رأس التكوين، وهو الصحراء الأسطورية الكبرى، الأمازيغ، تأبَى إلّا أن تحطّم الـ«تابو»، فتسمّى الأسماء بأسمائها التي حجبتها أسفار العهد القديم، فتجاهر بإسم شجرة التحريم، وهو: «تَبَكَات»، تحديداً جسوراً لطينة الشجرة، التي تعني في الترجمة: «سدر»، وهي، كما سنلاحظ، انتدابٌ حرفيّ من إسم «الإثم» peccat، فلا تتوقّف حملة اللغة، في كشف حجوب الغيوب، ولكنها تفاجئنا بمعنى «سدر» هذه في لغة الأرومة، التي إذا فككنا بُنيتها، فزنا بدلالة مذهلة هي «المسكون بالحياة»، لأن السين هنا تلعب دور الترجمان المفوّض بالتعبير عن كل شحنة، أو حمولة معنوية، لتحيل إلى فعلٍ وجودي هو «ادَّر»، الدالّ على الحياة؛ في أمازيغيّة التكوين، ممّا سيعني أن آدم إنّما التقمَ من فاكهة الشجرة الثانية، وهي شجرة «الحياة». فما نعلمه من النصّ التكويني يبيح الأكل من كل شجر الجنّة، باستثناء شجرة «معرفة الخير والشر»، لأنها سمٌّ زعاف، طعومها موت، ولا نكتشف وجود شجرة، أخرى مشفوعة أيضاً بوسام التحريم، وهي شجرة «الحياة»، إلّا تالياً، في نهاية الإصحاح الثالث، وهي الدافع لطرد الشقيّ آدم من حرم الملكوت الإلهيّ، الذي لم يتردّد في أن يتوّج الطريق إلى شجرة الحياة، بسيفٍ من لهب، خوفاً عليها من جشع آدم، ولكن ليس قبل أن يستصدر فرمان اللعنة في حقّ ثالوث الكينونة وهو: المرأة والحيّة والأرض. هذا يعني أننا في حضرة شجرتين تنتصبان في حرم الجنة، محدّدتان بالإسم، هما: شجرة الخير والشرّ، وشجرة الحياة. لغة أسفار العهد القديم تقول أن آدم أكل من شجرة معرفة الخير والشرّ بحرف الإصحاح الثاني من سفر التكوين. أمّا لغة المهد، الشاهد الأقدم عهداً على ثروة مسقط رأس التكوين، التي أتحفتنا بكنوز المفاهيم، كما بينّا في موسوعتنا «بيان في لغة اللاهوت»، فتقول أن آدم إنّما التقم فاكهة «سدر»، التي تعني «المسكون بالحياة»، بدليل أن إسم الإثم في اللاتينيّة، كما في لغة أمازيغ مسقط رأس التكوين، حسب الرواية الصحراوية الأكثر حجّةً، بوصفها لغة مفاهيم، هو: peccat، الدالّة على معنيين في غاية الخطورة هما: شجرة «سدر»، الدالّة على »شحنة الحياة»، ثمّ على: الإثم، في اللغتين اللاتينية، كأمّ اللغات الأوروبيّة، وكذلك في لغة المهد الأمازيغية، المتداولة في لسان القوم إلى اليوم.
كما لا يجب أنه ننسى أن كلمة «سدر» ترد في هذه اللغات بذات الصيغة التي ترد بها في العربية أو الأمازيغية، ليُستنزَل فيها واقعنا الديني مسوحاً قدسيّة، نستطيع أن نقرأها في الآية القرآنية: «ولقد رآه نزلةً أخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جنّة المأوى، إذْ يغشى السدرة ما يغشى» (سورة النجم)، لتغدو هذه الوصيّة الملحميّة، مصطلحاً في أدبيّاتنا، نتغنّى به كلّما شئنا أن نحجّ إلى بلاط الحقّ، لنُحاجج الباطل بثورة الصدق، بدليلٍ آخر، يهديه لنا منطوق الهوية، في إسم «سدر» الأممي النزعة، في أُمّ اللغات البدْئيّة، وهي اليونانية في إسمٍ مهيب هو sintr، ΣΙντρ ، كبُنية ملفّقة من شقّين: «Sin» الدالّة على الإثم، الناجم عن كلمة «سين» الأمازيغية، التي تعني الرقم الثاني في حساب العدد، برهنةً على حقيقة التثنية، لأن المثنَّى ازدواج، والإزدواج تجديفٌ في حقّ الواحد الأحد، أي أنه شِركٌ؛ فلا تكتفي اليونانية، ولكنها تجود علينا بحمولة أعظم شأناً، فيما إذا سوّقناها بمنطق لغة المهد الأمازيغية، كما هو معتمد في لفظة «tr»، أي السواكن من «يتَّر»، الدالّة على التحريم، أو القداسة، أو أي فعل ذي صلة بحرم الربوبية، ولذا نجدها في «نوتّر»، بإضافة نون الملكية، لتعني في الهيروغليفية، «كل ما هو موسوم بآي الربوبية». وهكذا نكتشف أن «سدر» التي تعني «مسكونٌ بالحياة» في الأمازيغية، إنّما تعني في اليونانية «الإثم المقدّس»، لأن ما هو استطعام فاكهة الحرام، إن لم يكن التجديف في حقّ الربوبية، كما تتحفنا به اليونانية، للبرهنة على حقيقة تقلب الرواية التوراتية رأساً على عقب، وهي أن الفاكهة التي التقم منها آدم ليست مستعارة من شجرة معرفة الخير والشرّ، ولكنها مستعارة من شجرة الحياة، الموسومة بالتحريم أيضاً، لأن هذا المخلوق الشقيّ، كان شغوفاً بأن يحيا، بأن يعي بأنه يحيا، وفاكهة شجرة الحياة أحقّ بالفوز بهذا الشرف، لأن ما يرد في سفر التكوين هو هوية الشجرة كسفير لممارسة الحياة، ولا وجود لما يفيد بأن الغرض من وجود هذه الشجرة هو الخلود، كما اعتادت أدبيّاتنا، المهووسة بغنائم الأبعاد القصوى، أن تتغنَّى.
ولكن الحجّة الأقوى إنّما تكمن في سؤال عمّا إذا كان آدم قد عرف الخير والشر حقّاً بتجربة التقام فاكهة المعرفة؛ لأن التجربة برهنت لا على علمٍ بخيرٍ أو بشرّ، في ممارسات بطل ملهاتنا، لأن السيرة، برمّتها هي التي برهنت على جهل آدم بحقيقة ما هو خير، وحقيقة ما هو شرّ، وإلّا لما كان الموقف من الوجود دراميّاً إلى هذا الحدّ، الذي مازال فيه نزاع الخير والشرّ في ذروة عنفوانه، في واقع الدينونة، دون وجود أي أمل في أن يعي سليل آدم موقعه من هذا الجدل التراجيدي؟ ألم نتعلّم أن حقيقة الوجود، وبالتالي، حقيقة وجود فحوى هذا الوجود، وهو الإنسان، إنّما تسكن اللسان؟
سلفنا آدم لم يكن «عارفاً»، ولكنه كان الجاهل، كما برهنت التجربة، التي أخفق فيها في التمييز بين الخير والشرّ، وإلّا لما اقترف في الأرض الشرور وسفك الدماء، كما تنبّأ الملائكة في النصّ القرآني. والصحيح الذي تجود به علينا لغة التكوين، بالبرهان هو أنه التقم الفاكهة من الشجرة الأخرى، من شجرة الحياة، ليقترف الإثم في حقّ الروح النقيّة بالفطرة، بعد أن استطعم من «السدر»، «المسكون بالحياة»، كما في الترجمة من لغة اللاهوت، ليدنّس نفسه بـ paccat، «بكات»، «أبكّاض»، أي الإثم: إثم التضحية ببراءة الروح، في ملكوت الربّ، واعتناق دين الحضيض، دين دَنَسٍ هو الحضور في شَرَكٍ هو الحضور قيد الوجود، الموبوء بالشرور!
وهو البشرى التي تتحفنا بها لغة اللاهوت، السارية في منطق الأمّة الأسطورية، عرّابة مسقط رأس التكوين، التي لم تملّ من أن تردّد الوصيّة القائلة: لو كان سليل آدم «عارفاً»، لعرف نفسه، ولأنه لم يعرف نفسه لم يعرف ربّه، بل ولم يعترف بربِّه.
الإنسان جاهل، ولهذا السبب هو قاتل، وتجربة قابيل في حقّ شقيقه هابيل أقوى حُجّة في حقّ طينته كعدوّ لهويّته كعارف.
سليل آدم آثم، ولكن ليس لأنه عارف، ولكنه آثمٌ لوجوده قيد باطلٍ هو الحياة!
ألم يقلب سقراط الآية عندما أعلن أن: الخطيئة هي الجهل، وليس العرفان، كما لقّنتنا قناعاتنا المسبقة، الموروثة عن الرواية التوراتيّة لأسطورة المبتدأ؟!












