متون التكوين

الضيف: رؤية في المفهوم

بقلم إبراهيم الكوني
بقلم إبراهيم الكوني

اللغة ليست صارمة دائماً عند معالجتها للمفاهيم، ولكنّها كثيراً ما تتسامح معنا فتستعير روحاً طفوليّة ماكرة، في نيّة لإشعال فتيل فضولنا، كلّما شاءت أن تنبّهنا، فتعزف على أوتار الحروف، في المفردة الواحدة، لتستخرج حفنة دلالات، مستخدمةً حيلة هي الإيماء لترجمة التنوّع، دون أن تخون قوانين اللغة، فكلمة بريئة في مقام «ضيف» تخفي مخزوناً في حال استنطقنا فيها التنوّع، فتجود بسخائها، الكامن في المفهوم، الذي يلعب دور قرون استشعار، لاستجلاء ما امتنع واستخفى من كنوز.

وهو ما لا يتحقّق ما لم نتأمّلها مليّاً لاستطلاع الإيماء! فما هي خصال «الضيف» حتّى يصير مستودعاً يستوعب مفاهيم أبعد منالاً، إلى جانب المفهوم المعلن؟ 

الضيف هو إنسانٌ نزل رحابنا قادماً من المجهول، والواجب يقضي أن نحتفي به في نواميس كل الأمم. لماذا؟ هل لأنه نزيل؟ أم هل لأنه عابر؟ أم هل لأنه مجهول؟ أم لأنه مهاجرٌ، يريد أن يذكّرنا بحقيقتنا كأنام، وجودهم برمّته، مجرّد هجرة من مهدٍ إلى لحدٍ، أي أنه «طيف»، أقبل علينا لكي يلقننا درساً يليق بـ«الطيف»؟ 

ها هي اللغة تحتال لكي تلقّننا أول درس في مفهوم الضيف، المترجم في حرف مفهوم آخر، يحرّض على القيمة ذاتها، التي يتغنَّى بها مفهومنا لـ«الضيف»، وهو: الطيف!

لماذا تتزاوج رسالة الضيف، مع رسالة «الطيف»، حتّى تعقد اللغة مراسم قران بينهما، فتوحي لنا بوجود عقدٍ خفيٍّ بينهما؟

الجواب: لأن الضيف لم يوجد كهوية إلّا بطبيعته كعابر سبيل، أي بامتهان حرفة مقدّسة في ثقافات كل الأمم وهو: الهجرة! والهجرة عبور، بل ديمومة عبور، قرينة، في هذه التجربة، لهويّة الطيف (بالطاء)، الذي نستطيع أن نلمحه خطفاً، ولكننا لا نستطيع أن نستضيفه في رحابنا حرفاً، بما أنه ليس رسول واقع، ولكنه رسول غيوب، البثّ في شأن حقيقته من شأن سدَنة الناموس، وليس من شأن أهل التقوى. ليس هذا وحسب، فالناموس لم يستنزل في الضيف خصال «الطيف»عبثاً، ولكن للتحريض على عظمة شأن الضيف، الذي يجب أن يُعامَل، كما يُعامَل رُسل الخافيات من أطياف الخلوات، لأن الصحراء ليست مسرح موطنهم فحسب، ولكنها وطنهم الأسطوري، لسببٍ بسيط، وهو أنها ملاذ الروح.

هل قلنا: الروح؟

بلى! الرهان هنا على هذه اللقية، لأن «الطيف»، في المفهوم، روحٌ تجسّدت، لكي تلقّننا درساً. و«الضيف» أيضاً، في هويّة المهاجر، طيف، لأن الحرية، التي ينالها بموجب الصفقة مع الهجرة، هي المؤهّل الذي يخوّله لاحتلال منزلة «الطيف»، لأنه لا ينزل الصحراء لكي يمكث فيها، لكي يسكنها، ولكن لكي يعبرها، لكي يهجرها، كما الطيف تماماً، الذي لا يحلّ في أرباع النجوع لكي يستقرّ في رحابها، ولكن لكي يستودعها رسالةً، ثمّ ينقشع، كما ينقشع فصل «الصيف»: الصيف، كإبدالٍ بين الصاد والضاد والطاء، هو الركن الآخر في أضلاع الثالوث، الذي أبَى مكر اللغة إلّا أن يقودنا إليه، لأن أمّنا الطبيعة هي معلّمنا الأوّل في درس التحوّل، لأن ليس الإنسان وحده المسكون بجرثوم الهجرة، ولكن الفصول أيضاً محكومة بهذا القانون، وفصل «الصيف» هو أكثرهم تسامحاً، ولكنه أكثرهم توقاً للعبور، فاستحقّ الإنتماء إلى حزب كل مَن اعتنق الهجرة ديناً. هذا الشرف، المجبول بوسام «القِرَى»، الذي سنَّت شرائعه الحكمة الأولى لدفع المكوس لهذا النموذج، لأنه، بالحرية، ليس ضيفنا نحن أهل الباطل، ولكنه ضيف معبود الأنام على هذا الواقع الفاني، وإكباره في واقعنا ليس مجرد أداء لواجب، ولكنه أداء لفريضة، أداة لصلاة، لأن عبقريّة اللغة تأبَى إلّا أن تلقّننا درساً آخر في كلمة «قِرَى»، المستعارة من «القرية»، مما سيعني أن مَن حطّ الرحال في سبسب السفر أوّلاً، هو بمثابة «قرية مصغّرة»، إذا ما قورن بالضيف الذي لم ينزل الأرض بعد، ولذا هو المكلّف، بحكم الناموس، بالقيام بكافة المراسم في حقّ القادم الجديد حتّى لو سبقه إلى المقام بساعة فقط!

لماذا؟ 

نابغة اللغة يقول أن كلمة «قِرى»، من «القرية»، والقرية اشتقاقٌ من «قَرّ»، التي تعني ««استقرّ»، وفي أمازيغيّة الصحراء تعني: «جَفّ» أو «همَد»، أو «تيبّسَ»، لأن الإستقرار، في عرف أهل الهجرة، شهادة وفاة في حقّ الروح، وهو الورم الخبيث، الذي لا ترياق له إلّا إذا تحاملنا على أنفسنا، ويمّمنا صوب الأفق!

الوعي بهوية القِرَى، المبثوثة في مفهوم القرية، كمساحة واحة، هي بوجود المياه، ضربٌ في فردوسٍ محدود، في فضاء صحراوي بلا حدود، هو ما يحوّل المستضيف، إلى مأوى، يستجير بتلابيبه الضيف الطاريء على واقع المكان، ليلعب المستضيف دور الملاك مجازيّاً، لا حرفياً؛ أي وجوب الجود بالمتاع المفقود، انطلاقاً من زهدٍ في حطام الدنيا، مفترض، بطبيعة الأشياء، مسبقاً، حيث تُدمَن الحرية إفيوناً، وإلّا لما اختارت الهجرة قدراً. هذه «القرية الصغيرة»، المحمولة في القلب، هي ما سَنَّ ناموس «القِرَى»، الذي على العابر أن يحمله معه أينما حلّ، ليمكّنه من ممارسة مراسم الضيافة في حقّ كل من نزل عليه ضيفاً، ما أن يحطّ رحالاً على أليابسة، لأنه يغدو، منذ الآن، بهذا الحلول، مُقيماً، لا مهاجراً، حتّى لو سبق ضيفه إلى حطّ الرحال بسويعة زمان، مادام الناموس يقضي بأنه مستودع قرية، قدرها أن تُقري ضيفها حتّى لو كان طيراً، فكيف به إذا كان طيفاً، هو، في كل الأعراف، ملاكٌ يتنكّر في جرم إنسان؟