بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

توزيع مراكز القوى

مجتبى خامنئي يعيد هندسة قبضة إيران الأمنية.. الحرس الثوري يتقدم والرسائل إلى واشنطن أكثر تشدداً

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

أعاد المرشد الإيراني مجتبى خامنئي ترتيب رأس المنظومة العسكرية والأمنية الإيرانية، في واحدة من أكبر عمليات إعادة توزيع مراكز القوى منذ اختياره مرشداً أعلى في مارس/آذار الماضي، واضعاً شخصيات ذات خلفيات عسكرية وأمنية في مواقع تمس مباشرة قيادة القوات المسلحة والحرس الثوري والباسيج، بالتزامن مع تعيين القائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي.

تكتسب الخطوة أهمية أكبر لأنها تأتي في خضم الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وبعد مقتل عدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين، وفي وقت تتكثف فيه جهود الوساطة والاتصالات غير المباشرة بين طهران وواشنطن بشأن التهدئة وإعادة فتح مضيق هرمز. وبذلك، لا تبدو التعيينات مجرد محاولة لملء الشواغر التي خلفتها الحرب، بل أقرب إلى إعادة بناء منظومة القيادة على أساس أكثر التصاقاً بمركز المرشد وأكثر استعداداً لإدارة مواجهة طويلة مع الولايات المتحدة.

ترميم القيادة بعد الضربات

شملت التعيينات الجديدة ستة مناصب عسكرية وأمنية رئيسة، إذ عُيّن علي عبد اللهي رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة، وكيومرث حيدري نائباً له، وأحمد وحيدي قائداً عاماً للحرس الثوري، ومصطفى إيزدي نائباً له، فيما تولى علي عظمايي قيادة القوة البحرية للحرس الثوري، وعُيّن حسين طائب قائداً لقوات الباسيج. وجاءت التعيينات بعد مقتل عدد من القيادات السابقة خلال الضربات الأمريكية والإسرائيلية.

لكن اللافت في التشكيلة الجديدة ليس عدد المناصب التي أعيد شغلها، بل طبيعة الأسماء التي اختيرت لها. فأحمد وحيدي من أبرز الشخصيات المخضرمة في الحرس الثوري، بينما يمثل حسين طائب امتداداً مباشراً للمنظومة الاستخباراتية والأمنية للحرس، بعدما قاد جهاز استخباراته لسنوات. أما علي عبد اللهي، فتولى سابقاً مواقع عسكرية عليا، بينها قيادة مقر خاتم الأنبياء المركزي.

ويعكس ذلك توجهاً نحو الجمع بين الخبرة العملياتية والخلفية الأمنية والولاء السياسي، بما يسمح لمجتبى بإعادة بناء سلسلة قيادة تعرضت لضربة قاسية خلال الحرب، مع تقليل فرص نشوء فراغ أو مراكز قوة مستقلة داخل المؤسسة العسكرية.

الحرس الثوري يمسك المفاصل

الأكثر دلالة أن إعادة تشكيل القيادة تجري في اتجاه يزيد حضور الحرس الثوري داخل مفاصل الدولة الأمنية. فمنذ اختيار مجتبى خلفاً لوالده، برزت علاقاته الوثيقة بقيادات الحرس باعتبارها أحد مصادر قوته الرئيسة، فيما اعتبرت تحليلات غربية أن صعوده مثّل استمراراً للخط المتشدد داخل النظام، وليس انتقالاً نحو قيادة أكثر انفتاحاً.

وتأتي تسمية طائب للباسيج لتضيف بعداً داخلياً إلى هذا التوجه. فطائب ليس مجرد قائد عسكري، بل شخصية أمنية بارزة ارتبط اسمها بجهاز استخبارات الحرس، وبالتالي فإن عودته إلى واجهة الباسيج تعزز البعد الأمني للمؤسسة التي تمثل إحدى أهم أدوات النظام في ضبط الشارع.

كما تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها إيران، واحتمال أن تؤدي آثار الحرب والعقوبات واضطراب الإقتصاد إلى موجات جديدة من الاحتجاج. لذلك، فإن تعزيز الباسيج بقيادة شخصية أمنية بهذا الوزن يمكن قراءته باعتباره استعداداً لمرحلة قد تتطلب تشديد السيطرة الداخلية بقدر ما تتطلب إعادة تنظيم الجبهة العسكرية الخارجية.

رسالة مشدودة إلى واشنطن

أما الرسالة الخارجية، فتبدو أكثر وضوحاً مع تعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، فالرجل ليس دبلوماسياً تقليدياً، بل قائد سابق للحرس الثوري وأحد أبرز رموز التيار الأمني المتشدد، ويمتلك خبرة طويلة في إدارة الملفات العسكرية والاستراتيجية. 

وتستمد الخطوة أهميتها من توقيتها، إذ إن طهران وواشنطن أمام ملفات شديدة الحساسية، وفي مقدمتها مستقبل مضيق هرمز، والعقوبات، والبرنامج النووي، وشروط أي تفاهم جديد بعد الحرب. إن وضع شخصية من وزن رضائي في موقع أمانة مجلس الأمن القومي يرجح أن يبقي أي مسار تفاوضي محكوماً بدرجة كبيرة بحسابات المؤسسة الأمنية والعسكرية، لا بمنطق الدبلوماسية وحده.

كما أن رضائي نفسه ينتمي إلى مدرسة ترى في القوة العسكرية وأوراق الضغط الإقليمية عناصر أساسية لأي تفاوض مع الولايات المتحدة. لذلك، فإن وصوله إلى هذا الموقع لا يعني بالضرورة إغلاق باب الحوار، لكنه يرجح أن يكون أكثر صعوبة، وأن تسعى طهران إلى التفاوض من موقع يحتفظ بأكبر قدر ممكن من أوراق القوة.

وهنا تظهر أهمية مضيق هرمز تحديداً، فهو ليس مجرد ملف اقتصادي، بل ورقة ضغط استراتيجية تستطيع إيران استخدامها في أي مفاوضات تتعلق بالعقوبات أو الترتيبات الأمنية الإقليمية. ومن ثم، فإن إعادة تشكيل القيادة العسكرية والأمنية تأتي بالتوازي مع معركة تفاوضية لا تزال أدوات القوة جزءاً أساسياً منها.

تثبيت السلطة داخل إيران

في الداخل، تحمل التغييرات وظيفة لا تقل أهمية عن رسائلها الخارجية: تثبيت سلطة مجتبى خامنئي نفسه، فصعوده إلى موقع المرشد جاء في أكثر مراحل الجمهورية الإسلامية اضطراباً، بعد مقتل والده، ثم اختياره سريعاً لخلافته. وكان انتقال السلطة من الأب إلى الابن حدثاً استثنائياً في تاريخ إيران، ما جعل مسألة شرعية مجتبى وقدرته على إحكام السيطرة على مؤسسات الدولة محوراً أساسياً في قراءة المرحلة الجديدة.

ومنذ توليه المنصب، ظل ظهوره العلني المباشر محدوداً، وهو ما غذّى تكهنات حول وضعه الصحي ومدى ممارسته الفعلية للسلطة. وفي الأيام الأخيرة، بدأت السلطات الإيرانية التمهيد لإظهار مواد مصورة له، في محاولة واضحة لتأكيد حضوره وممارسته مهامه، بالتزامن مع ظهور إشارات رسمية إلى اجتماعاته مع قادة القوات المسلحة.

ومن هذه الزاوية، تصبح التعيينات العسكرية وسيلة لإثبات أن مركز القرار ما زال في يد المرشد. فإعادة توزيع المناصب العليا تمنح مجتبى فرصة إعادة تشكيل القيادة وفق شبكة أكثر قرباً منه، وتساعده في منع تحول القادة العسكريين الذين برز نفوذهم خلال الحرب إلى مراكز قوة مستقلة.

لكن المفارقة أن تثبيت سلطة مجتبى قد يمر عبر تعزيز نفوذ الحرس الثوري نفسه. فبدلاً من تقليص دور المؤسسة التي دعمت صعوده، يبدو أنه يعيد تنظيمها ووضع شخصيات موثوقة في مواقعها الحساسة، بما يضمن بقاء الحرس شريكاً أساسياً في حماية النظام، ولكن داخل سلسلة قيادة أكثر ارتباطاً بالمرشد.

مواجهة طويلة لا تسوية سريعة

تبدو التغييرات أقرب إلى إعلان عن شكل إيران الجديدة بعد الحرب منها إلى حركة تعيينات روتينية، فطهران تعيد بناء قيادتها العسكرية بعد خسائر الحرب، لكنها تفعل ذلك عبر شخصيات تجمع بين الخبرة القتالية والأمنية، فيما يتقدم الحرس الثوري أكثر إلى قلب عملية صنع القرار.

ولا يعني ذلك أن إيران أغلقت باب التفاوض مع واشنطن. لكن الاتجاه الجديد يوحي بأن النظام يريد التفاوض من موقع القوة، مع الاحتفاظ بأدوات الردع والضغط، وفي مقدمتها مضيق هرمز، والقدرات الصاروخية، والبرنامج النووي، وشبكة النفوذ الإقليمي.

إن تعيين رضائي في الأمن القومي، ووحيدي في قيادة الحرس، وطائب في الباسيج، إلى جانب إعادة تشكيل قيادة القوات المسلحة والبحرية، يضع المفاوضات المقبلة أمام منظومة أمنية أكثر تشدداً وأشد التصاقاً بمركز المرشد.

ولا تكمن أهمية هذه التعيينات في أسماء القادة الجدد وحدها، بل في الرسالة التي تحملها: مجتبى خامنئي لا يكتفي بترميم الجهاز الذي أصابته الحرب، بل يعيد توزيع موازين السلطة داخله، بحيث يصبح الحرس الثوري أكثر حضوراً في الدولة، وتصبح المؤسسة الأمنية أكثر التصاقاً بالمرشد، فيما تتحول المفاوضات مع واشنطن إلى جبهة أخرى للصراع، لا بديلاً عنه.