بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير جيوسياسي

التفاهم الأمريكي الإيراني بين احتواء التصعيد وتأجيل الصراع.. 60 يوماً حاسمة لاختبار فرص الاستقرار في الشرق الأوسط

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تشكل التفاهمات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران تطوراً سياسياً وأمنياً بالغ الأهمية في منطقة الشرق الأوسط، لكنها لا ترقى حتى الآن إلى مستوى التسوية الشاملة التي تنهي عقوداً من الصراع والتنافس. الاتفاق الذي جاء بعد أشهر من التصعيد العسكري المتبادل والتهديدات المتكررة بإشعال مواجهة إقليمية واسعة، يعكس في جوهره محاولة لاحتواء أزمة متفاقمة أكثر مما يمثل بداية مرحلة استقرار دائم.

تبدو الحاجة المتبادلة إلى التهدئة عاملاً رئيساً دفع الطرفين نحو هذا المسار. واشنطن تواجه ضغوطاً مرتبطة بأمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق الدولية، فيما تعاني طهران من أزمة اقتصادية متفاقمة نتيجة العقوبات والعزلة المالية. وبين هذين العاملين نشأ تفاهم مؤقت يهدف إلى منع الانزلاق نحو حرب شاملة قد تمتد آثارها إلى كامل الإقليم.

وتكشف المعطيات المتداولة أن الساعات الأخيرة التي سبقت الإعلان عن الاتفاق كانت من أكثر المراحل حساسية منذ بدء الاتصالات غير المباشرة بين الطرفين. فقد أدت التطورات الأمنية المتسارعة في المنطقة إلى تهديد مسار التفاهم برمته، خصوصاً بعد التصعيد العسكري الذي أعاد التوتر إلى الواجهة وأثار مخاوف من انهيار المفاوضات.

كما أطلقت تلك التطورات تحركات دبلوماسية مكثفة شاركت فيها أطراف إقليمية عدة، أبرزها قطر وسلطنة عمان وباكستان، بهدف منع انهيار الجهود السياسية. وتؤكد هذه الوساطات المتعددة أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة أصبحت فيها القوى الإقليمية الوسيطة لاعباً أساساً في إدارة الأزمات بين واشنطن وطهران.

تفاهم هش لا تسوية نهائية

على الرغم من الأجواء الإيجابية التي رافقت الإعلان، فإن الاتفاق لا يزال أقرب إلى إطار سياسي أولي منه إلى معاهدة ملزمة ونهائية، فالقضايا الأكثر حساسية ما زالت مؤجلة إلى جولات تفاوض لاحقة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني وآليات رفع العقوبات ومستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة.

وتبرز هنا أزمة الثقة باعتبارها العقبة الأكبر أمام التنفيذ. طهران تسعى للحصول على مكاسب اقتصادية سريعة وملموسة قبل تقديم تنازلات جوهرية، بينما تتمسك واشنطن بمبدأ ربط أي تخفيف للعقوبات بخطوات عملية يمكن التحقق منها.

ويضاف إلى ذلك أن الخلاف لا يقتصر على الملفات النووية، بل يمتد إلى شبكة النفوذ الإقليمي المرتبطة بطهران في لبنان والعراق وسوريا واليمن. فهذه الملفات تشكل جزءاً أساساً من منظومة القوة الإيرانية، ومن غير المرجح أن توافق طهران على تقديم تنازلات واسعة بشأنها من دون الحصول على ضمانات استراتيجية واقتصادية كبيرة.

كما أن نجاح الاتفاق يبقى مرتبطاً بقدرة الوسطاء على إدارة التباينات المتراكمة بين الطرفين. فالتجارب السابقة أظهرت أن كثيراً من التفاهمات الأمريكية الإيرانية تعثرت عند الانتقال من المبادئ العامة إلى التفاصيل التنفيذية، حيث تتداخل الحسابات السياسية مع الاعتبارات الأمنية والعسكرية.

ومن هذا المنطلق، ينظر كثير من المراقبين إلى الاتفاق باعتباره هدنة سياسية مؤقتة تهدف إلى شراء الوقت أكثر من كونه حلاً جذرياً للأزمات المتراكمة بين الجانبين.

إسرائيل بين القلق والاعتراض

يُعد الجانب الإسرائيلي من أبرز المتأثرين بالتفاهم الجديد. الحكومة الإسرائيلية تنظر منذ سنوات إلى سياسة الضغط والعزل باعتبارها الأداة الأكثر فاعلية في مواجهة إيران، ولذلك فإن أي مسار تفاوضي يمنح طهران متنفساً اقتصادياً أو سياسياً يثير قلقاً متزايداً داخل المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية.

كما تخشى تل أبيب أن يؤدي الاتفاق إلى تخفيف الضغوط الدولية المفروضة على إيران، بما يسمح لها بإعادة ترتيب أوضاعها الاقتصادية وتعزيز حضورها الإقليمي. كما ترى أن أي تفاهم لا يتضمن قيوداً صارمة وطويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني قد يمنح طهران هامشاً أوسع للمناورة مستقبلاً.

ويزداد هذا القلق مع إدراك صناع القرار الإسرائيليين أن أي تقارب أمريكي إيراني، ولو كان محدوداً ومؤقتاً، سيؤثر بصورة مباشرة على معادلات الردع والتحالفات الإقليمية التي تشكلت خلال السنوات الماضية. كما أن تراجع احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة قد يحدّ من قدرة إسرائيل على حشد دعم دولي إضافي لسياسات تشديد الضغوط على طهران.

في المقابل، تواجه التيارات المتشددة داخل الولايات المتحدة وإيران تحدياً مماثلاً. فالصقور في واشنطن يعتبرون أن تقديم أي تنازلات لطهران سيشجعها على مواصلة سياساتها الإقليمية، بينما ترى القوى المتشددة داخل إيران أن التفاوض مع الولايات المتحدة يحمل مخاطر سياسية وأيديولوجية ويهدد سردية المواجهة التي اعتمدتها طهران لعقود.

تداعيات إقليمية ومستقبل المرحلة المقبلة

لا تقتصر آثار الاتفاق على العلاقات الأمريكية الإيرانية فحسب، بل تمتد إلى مجمل التوازنات الإقليمية. فمن المتوقع أن ينعكس أي انخفاض في مستوى التوتر على حركة الملاحة الدولية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً في منطقة الخليج العربي التي تمثل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.

كما قد تستفيد بعض الدول العربية من تراجع احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة، بما يسمح بإعادة توجيه الموارد نحو أولويات اقتصادية وتنموية. إلا أن هذه المكاسب تبقى مرتبطة بمدى قدرة الأطراف على الحفاظ على التهدئة ومنع عودة التصعيد.

وفي الوقت نفسه، يثير الاتفاق تساؤلات جوهرية حول مستقبل الأذرع الإقليمية المرتبطة بإيران. فهذه الشبكات شكلت خلال العقود الماضية إحدى أدوات النفوذ الأساسية لطهران في عدد من الساحات العربية، وأي محاولة لإعادة صياغة المشهد الأمني في المنطقة ستضع هذه الملفات في صلب النقاشات المقبلة.

60 يوماً حاسمة في تحديد مصير التفاهم

ستكون فترة الستين يوماً المقبلة حاسمة في تحديد مصير التفاهم الجديد. خلال هذه المرحلة ستجري مفاوضات تفصيلية حول القضايا الأكثر تعقيداً، بدءاً من البرنامج النووي ووصولاً إلى آليات التحقق والعقوبات والترتيبات الأمنية في الخليج.

ومن المرجح أن تشهد الأسابيع الأولى التزاماً حذراً بخفض التصعيد وإعادة انتظام حركة الملاحة البحرية، إلا أن الاختبار الحقيقي سيبدأ عند الانتقال إلى الملفات التقنية والسياسية الشائكة التي فشلت جولات تفاوض سابقة في حسمها.

لا يبدو أن الاتفاق أنهى الصراع الأمريكي الإيراني بقدر ما أرجأ انفجاره المحتمل. فالشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة انتقالية دقيقة قد تفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة، أو تعيد المنطقة إلى دوامة المواجهة إذا تعثرت المفاوضات أو فشل الطرفان في تجاوز فجوة انعدام الثقة. ولهذا ستبقى الأسابيع المقبلة المعيار الحقيقي للحكم على ما إذا كان الاتفاق بداية مسار استقرار طويل، أم مجرّد هدنة مؤقتة في صراع لم تُحسم أسبابه العميقة بعد.