تنفتح مدينة جنيف السويسرية على واحد من أكثر الأسابيع حساسية في مسار العلاقات الأمريكية–الإيرانية، مع ترجيحات باستضافة مراسم توقيع مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران بعد غد الأحد المقبل، في حال نجاح الجهود الدبلوماسية الجارية في تجاوز الخلافات العالقة وصياغة صيغة نهائية مقبولة للطرفين.
يأتي هذا التطور بعد مرحلة شديدة التوتر شهدت تصعيداً عسكرياً متبادلاً في أكثر من ساحة إقليمية، قبل أن يتحول الخطاب السياسي تدريجياً من لغة المواجهة إلى لغة التهدئة وإدارة الأزمة، وسط حديث متزايد عن إطار تفاهمي يهدف إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة.
الدبلوماسية المتقاطعة
وبحسب معطيات دبلوماسية متقاطعة، لا يزال المسار التفاوضي في طور “مذكرة تفاهم لإدارة الأزمة”، وليس اتفاق سلام نهائي، مع استمرار وجود فجوات جوهرية في ملفات حساسة لم تُحسم بعد، رغم الاقتراب من بلورة أرضية مشتركة أولية. وتشير التسريبات الدبلوماسية إلى أن الإطار المطروح يركز على إدارة التصعيد أكثر من معالجة جذوره، عبر حزمة خطوات متبادلة تهدف إلى تثبيت تهدئة مرحلية قابلة للقياس والتقييم.
تهدئة متعددة الجبهات: يتضمن المقترح وقفاً تدريجياً أو فورياً للأعمال العدائية في عدد من الساحات المرتبطة بالنفوذ الإيراني، مع ربط بعض الملفات الإقليمية الحساسة، مثل الساحة اللبنانية، بمسار التهدئة العام. إلا أن هذه النقطة لا تزال موضع نقاش بسبب تعقيدات المشهد الميداني وتعدد الفاعلين.
أمن الملاحة في مضيق “هُرمز”: تتضمن المباحثات بحث آليات لضمان استقرار الملاحة الدولية في مضيق “هُرمز”، مقابل تخفيف تدريجي لبعض القيود الاقتصادية والبحرية المفروضة على إيران، ضمن إطار رقابي يهدف إلى منع أي عودة للتصعيد في الممرات البحرية الحيوية.
الأصول المجمّدة والعقوبات: يناقش الطرفان إمكانية الإفراج الجزئي عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، ضمن ترتيبات مرحلية مشروطة بالالتزام السياسي والأمني، من دون الإعلان حتى الآن عن أرقام نهائية أو جداول زمنية محددة.
الملف النووي: يبقى الملف النووي النقطة الأكثر حساسية، حيث تتضمن المسودة مقترحات لفتح مسار تفاوضي موسع حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني، يتضمن تعزيز الرقابة الدولية وبحث تقييد بعض أنشطة التخصيب لفترات طويلة، دون الوصول إلى اتفاق نهائي ملزم حتى الآن.
الدبلوماسية القسرية وإعادة تشكيل الردع
يعكس مسار التفاوض نمطاً من “الدبلوماسية القسرية”، حيث يُستخدم التصعيد العسكري والضغط الاقتصادي كأداة لدفع الأطراف نحو التفاوض بشروط أكثر مرونة. ويُقرأ التصعيد السابق باعتباره محاولة لإعادة تشكيل قواعد الردع في المنطقة، بحيث يُمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، وفي الوقت نفسه يُدفع كل طرف إلى تقديم تنازلات سياسية وأمنية محسوبة.
وتشير تقديرات إلى أن واشنطن تسعى لتحقيق إنجاز دبلوماسي سريع يخفف من التوترات الإقليمية، بينما تحاول طهران تحسين موقعها التفاوضي عبر إظهار قدرتها على التأثير الإقليمي دون تجاوز عتبة المواجهة المباشرة.
سيناريوهات مستقبلية مفتوحة
على الرغم من الزخم الحالي، لا يزال مستقبل الاتفاق المحتمل محاطاً بدرجة عالية من عدم اليقين، في ظل تداخل العوامل السياسية والإقليمية والدولية.
يرجّح السيناريو الأول أن الطرفين وصلا إلى درجة من “الإرهاق المتبادل” تدفعهما إلى قبول تسوية مؤقتة. الاقتصاد الإيراني يواجه ضغوطاً كبيرة مرتبطة بالعقوبات، بينما تسعى الإدارة الأمريكية إلى إنجاز دبلوماسي خارجي سريع يحد من احتمالات التورط العسكري المباشر. وفي حال توقيع مذكرة التفاهم في جنيف، قد يشكل ذلك نقطة انطلاق لمسار تفاوضي أطول يشمل الملف النووي وإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية بشكل تدريجي.
في المقابل، يرجح السيناريو الثاني احتمالات تعثر المفاوضات أو انهيارها قائمة حتى اللحظات الأخيرة، في ظل استمرار الخلافات بشأن آليات التحقق والرقابة على البرنامج النووي، إلى جانب الضغوط التي يمارسها بعض الحلفاء الإقليميين، وفي مقدمتهم إسرائيل، فضلاً عن تعقيدات تنفيذ أي تفاهمات تهدئة على أكثر من ساحة إقليمية.
كما يزيد من هشاشة المسار التفاوضي حساسية الوضع الميداني وإمكانية أن يؤدي أي حادث أمني مفاجئ إلى إرباك المحادثات أو تعطيلها. وتشير تقديرات دبلوماسية إلى أن أي اتفاق محتمل، حتى في حال التوصل إليه وتوقيعه، سيظل عرضة للاهتزاز ما لم تُحسم آليات التنفيذ والرقابة بصورة واضحة ودقيقة وملزمة لجميع الأطراف.
الحسابات الإقليمية والدولية
تتابع القوى الأوروبية والدول الإقليمية مسار المفاوضات بحذر بالغ، إدراكاً لما قد يترتب على أي اتفاق من إعادة تشكيل لتوازنات النفوذ في الشرق الأوسط. كما تلعب حسابات الحلفاء الإقليميين دوراً محورياً في صياغة سقف التفاهمات، خصوصاً فيما يتعلق بنطاق تخفيف العقوبات ومستقبل البرنامج النووي الإيراني. وفي هذا السياق، ينقسم المشهد الدولي بين أطراف تدفع نحو تسوية سريعة تمنع التصعيد، وأخرى ترى أن أي اتفاق غير مكتمل قد يؤسس لأزمة مستقبلية أكثر تعقيداً.
يدخل الملف الأمريكي–الإيراني مرحلة بالغة الحساسية تتقاطع فيها اعتبارات الردع مع فرص الدبلوماسية المحدودة. ويبدو أن الحديث عن توقيع محتمل في جنيف يعكس تقدماً مهماً في مسار التفاوض، لكنه لا يلغي أن الاتفاق – في حال إبرامه – سيبقى أقرب إلى هدنة سياسية مؤقتة منه إلى تسوية استراتيجية شاملة.
بين التفاؤل الحذر ومخاطر الانهيار المفاجئ، تبقى الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت جنيف ستشهد لحظة تحول تاريخي في مسار العلاقات بين واشنطن وطهران، أم مجرّد محطة جديدة في صراع طويل لا تزال ملامحه النهائية قيد التشكل.















