أعاد إعلان تأسيس “إقليم المنطقة الوسطى” الجدل حول شكل الدولة الليبية ومستقبل توزيع السلطة بين أقاليمها التاريخية، في خطوة يرى مراقبون أنها قد تمثل إحدى أكثر القضايا السياسية حساسية منذ سنوات، لأنها تمس مباشرة معادلة النفوذ وتقاسم السلطة في بلد لا يزال يعيش اضطراباً منذ 2011، وانقساماً مؤسسياً حاداً منذ 2014.
أعلنت تسع بلديات، خلال اجتماع عقد في منطقة قلعة السدادة قرب مصراتة، تأسيس الإقليم الجديد الذي يضم مصراتة وزليتن والخمس وترهونة وبني وليد ومسلاتة وقصر الأخيار وتينيناي والمردوم، قائلة إن الهدف يتمثل في تعزيز التنسيق والتكامل بين البلديات ودعم التنمية المحلية وتحسين الخدمات العامة.
ثلاثة أقاليم تاريخية.. ورابع يثير الجدل
منذ استقلال ليبيا عام 1951 تشكلت الدولة على أساس ثلاثة أقاليم رئيسية هي طرابلس وبرقة وفزان، قبل إلغاء النظام الفيدرالي عام 1963 والانتقال إلى الدولة المركزية.
لهذا السبب أثار الإعلان الجديد اعتراضات واسعة، إذ يرى منتقدوه أن البلديات لا تملك صلاحيات دستورية لإنشاء أقاليم جديدة، وأن أي تعديل في البنية الإدارية للدولة يجب أن يتم عبر توافق وطني ومؤسسات تشريعية معترف بها.
كما صدرت مواقف سياسية وأكاديمية اعتبرت الخطوة “مناورة سياسية” أو محاولة لإعادة رسم الخريطة السياسية الليبية خارج الأطر الدستورية القائمة، محذرة من تداعياتها على وحدة البلاد.
ورغم تأكيد القائمين على المشروع أنه إطار تنسيقي لا يحمل أي أبعاد انفصالية، فإن الجدل تجاوز البعد الإداري سريعاً ليتحول إلى نقاش حول مستقبل السلطة والثروة في ليبيا.
مصراتة في قلب المعادلة الجديدة
يصعب فصل المشروع عن الوزن السياسي والاقتصادي والعسكري لمدينة مصراتة، التي تعد أحد أبرز مراكز النفوذ في ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي.
فمصراتة تضم واحداً من أكبر الموانئ التجارية في البلاد، وتمثل مركزاً اقتصادياً رئيسياً في غرب ليبيا، كما لعبت قواتها وأطرافها السياسية أدواراً مؤثرة في معظم التحولات التي شهدتها البلاد خلال العقد الماضي.
إن وجود مصراتة في قلب المشروع هو ما منح الإعلان زخمه وأثار في الوقت نفسه مخاوف خصومه، إذ ينظر البعض إلى الإقليم الجديد باعتباره محاولة لتجميع ثقل سكاني واقتصادي وسياسي يمكن أن يتحول مستقبلاً إلى لاعب مستقل داخل أي معادلة وطنية.
في هذا السياق، قد تتجاوز القضية الخدمات المحلية إلى إعادة تعريف مراكز القوة داخل الغرب الليبي نفسه، خاصة أن المنطقة الوسطى تقع بين العاصمة طرابلس ومناطق النفوذ في الشرق والجنوب، وتمثل عقدة جغرافية وتجارية ذات أهمية استراتيجية.
معركة السلطة والثروة قبل التسوية
تكمن حساسية الملف في أن معظم المبادرات السياسية التي طرحت لحل الأزمة الليبية خلال السنوات الماضية قامت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على فكرة التوازن بين الأقاليم الثلاثة التاريخية.
وفي كثير من جولات الحوار الليبي جرى الحديث عن توزيع المناصب السيادية والتمثيل السياسي وفق معادلة تراعي التوازن بين طرابلس وبرقة وفزان.
أما ظهور إقليم رابع فيعني عملياً إعادة فتح النقاش حول أسس تقاسم السلطة نفسها، وهو ما قد يضيف تعقيدات جديدة إلى عملية سياسية تعاني أصلاً من الجمود.
وتزداد أهمية هذا البعد مع استمرار الإنقسام بين المؤسسات التنفيذية والتشريعية، وتأخر الانتخابات الوطنية، وتفاقم الخلافات حول إدارة الموارد المالية وعائدات النفط، التي تشكل المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة الليبية.
بين التأييد والمعارضة
يرى معارضو المشروع أن أي محاولة لإدخال لاعب إقليمي جديد إلى المشهد قد تدفع أطرافاً أخرى للمطالبة بصيغ مماثلة، بما يوسع دائرة التنافس ويصعب الوصول إلى تسوية شاملة.
في المقابل، يقول مؤيدو الإقليم إن المشروع لا يستهدف إعادة توزيع السلطة، بل يهدف إلى تعزيز التعاون البلدي ورفع كفاءة الخدمات وتنسيق المشروعات التنموية بين المدن المشاركة، مؤكدين أنه لا يتعارض مع وحدة الدولة ولا مع الأطر القانونية القائمة.
لكن كثيراً من المراقبين يرون أن توقيت الإعلان يكشف أبعاده السياسية أكثر من أهدافه الخدمية، خاصة أنه يأتي في لحظة تتعثر فيها جهود التسوية الوطنية وتزداد فيها المنافسة بين مراكز النفوذ المختلفة.
في بلد ما تزال مؤسساته منقسمة بعد أكثر من خمسة عشر عاماً من الاضطرابات، تبدو المخاوف الرئيسية مرتبطة بإمكانية انتقال الأزمة الليبية من صراع بين حكومات وسلطات متنافسة إلى صراع بين أقاليم ومراكز نفوذ متنازعة. لهذا لا ينظر كثير من المتابعين إلى “الإقليم الرابع” باعتباره مجرد إطار إداري جديد، بل باعتباره فصلاً جديداً في معركة إعادة تشكيل موازين القوى داخل ليبيا، وهي معركة قد تؤخر التسوية السياسية المنتظرة بدلاً من أن تقربها.















