تُظهر التحولات المتسارعة في المشهد العربي كيف أعادت “جماعة الإخوان المسلمين” توظيف مأساة قطاع غزة كأداة سياسية وإعلامية تهدف إلى ترميم حضورها المتآكل واستعادة نفوذها في عدد من الساحات العربية. وبينما تتصدر غزة واجهة الأحداث بوصفها مأساة إنسانية غير مسبوقة تستدعي أوسع أشكال التضامن، برز خطاب إخواني مكثف يحاول تحويل المأساة إلى رافعة تعبئة سياسية تخدم مشروع الجماعة على حساب جوهر القضية الفلسطينية.
أثار تداخل العاطفة الإنسانية مع الاستثمار التنظيمي جدلاً واسعاً حول طبيعة الدور الذي تلعبه الجماعة في لحظات الأزمات، وحدود الفصل بين التضامن المشروع والتوظيف الأيديولوجي المنظم.
العاطفة بوصفها أداة تعبئة
اعتمدت الجماعة خلال الأشهر الماضية على خطاب تعبوي عالي السقف، يقوم على استثارة المشاعر الدينية والقومية حيال حرب غزة، لكنه يتقاطع في الوقت نفسه مع أجندات سياسية داخلية في عدد من الدول العربية. ويُلاحَظ أن هذا الخطاب لا يكتفي بالدعوة إلى التضامن الإنساني، بل يتجاوزه إلى محاولة إعادة صياغة الموقف السياسي العام من الأنظمة والدول، وفق معيار الاصطفاف مع رؤية الجماعة ومواقفها.
هذا النمط من الخطاب يعكس، بحسب منتقديه، محاولة ممنهجة لإعادة تقديم الجماعة كفاعل مركزي في ملف المقاومة، بعد سنوات من التراجع السياسي والانقسامات الداخلية وتقلص النفوذ في أكثر من ساحة عربية. ويتم ذلك عبر وسائل إعلام ومنصات خارجية تعمل على إنتاج سردية موحدة تربط بين دعم غزة وبين تبنّي الخط السياسي للجماعة، ما يخلق تداخلاً بين القضية الفلسطينية بوصفها قضية وطنية جامعة، والحسابات الحزبية الضيقة.
في المقابل، يُسهم هذا الأسلوب في تشتيت الجهود الشعبية والرسمية الداعمة لغزة، عبر إدخالها في مسارات صراع سياسي داخلي لا علاقة له بجوهر القضية، ما يؤدي إلى إضعاف الإجماع الإنساني، وتحويل مأساة غزة إلى ملف جدلي قابل للاستقطاب.
خطاب مزدوج بين الشعارات والممارسة
يتسم الخطاب “الإخواني” في هذه المرحلة بازدواجية واضحة، إذ يجمع بين خطاب علني يرفع شعارات المقاومة والتحرير، وبين آخر موازٍ يوظف هذه الشعارات في سياقات سياسية داخلية تستهدف الضغط على بعض الدول أو إعادة تعبئة الشارع ضد مؤسساتها. ويظهر هذا النمط في أكثر من ساحة عربية، مع اختلاف في الدرجة والأسلوب، لكنه يتفق في الجوهر على استخدام الحدث الفلسطيني كأداة تعبئة داخلية.
هذا التباين بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية يثير تساؤلات حول طبيعة الأهداف الحقيقية لهذا الحضور الإعلامي المكثّف، خصوصاً في ظل غياب تأثير مباشر أو فاعل لـ”الجماعة” على الأرض داخل مسار الأحداث في غزة. فبينما تتركز الجهود الفعلية في ساحات الصراع على العمل الدبلوماسي والإنساني والإغاثي، يبرز الخطاب “الإخواني” في الفضاء الإعلامي بوصفه أداة تعبئة ورمزية أكثر منه أداة تأثير واقعي.
الحالة الأردنية وسجال الشارع
في الأردن، أخذ هذا النمط من التوظيف بُعداً أوضح، تداخلت فيه موجات التضامن الشعبي مع غزة مع محاولات بعض الأطراف السياسية توجيه الحراك نحو ملفات داخلية. وتشير قراءات متعددة إلى أن جزءاً من الخطاب المرتبط بتيارات قريبة من الجماعة حاول ربط الدعم الشعبي لغزة بمواقف سياسية داخلية لا ترتبط مباشرة بالسياق الفلسطيني.
هذا التداخل بين التضامن الخارجي والسجال الداخلي أفرز حالة من التوتر داخل المشهد العام، خصوصاً في ظل حساسية الدور الأردني التاريخي في الملف الفلسطيني. وبينما تواصل الدولة الأردنية جهودها السياسية والإنسانية والإغاثية عبر القنوات الرسمية، برز خطاب موازٍ يشكك في هذه الجهود أو يقلل من قيمتها، ما أسهم في خلق حالة من الاستقطاب داخل الرأي العام بدلاً من تعزيز وحدة الموقف تجاه مأساة غزة.
المغرب وإعادة التموضع السياسي
في المغرب، ظهرت انعكاسات مشابهة، وإن كانت بصيغة سياسية مختلفة، حيث سعى حزب العدالة والتنمية، الذراع السياسية المرتبطة تاريخياً بـ”الإخوان”، إلى استثمار موجة التعاطف مع غزة لإعادة التموضع في المشهد السياسي بعد خسارته الانتخابية الأخيرة. وتمثل ذلك في تصعيد الخطاب السياسي والإعلامي تجاه بعض السياسات الرسمية، وتقديم نفسه كصوت أكثر تشدداً في الدفاع عن القضية الفلسطينية.
غير أن هذا الخطاب اصطدم بتناقضات واضحة مع المرحلة التي كان فيها الحزب جزءاً من السلطة التنفيذية، إذ شارك في إدارة ملفات سياسية واقتصادية ودبلوماسية حساسة. هذا التناقض بين موقع المسؤولية السابق وخطاب المعارضة الحالي أضعف منسوب المصداقية لدى قطاعات من الرأي العام، وأثار تساؤلات حول مدى ارتباط هذا التصعيد الراهن بمحاولة إعادة إنتاج النفوذ السياسي عبر بوابة القضية الفلسطينية.
إضعاف الإجماع حول القضية الفلسطينية
من أبرز الإشكالات التي يثيرها هذا النمط من التوظيف السياسي هو تأثيره على وحدة الموقف العربي تجاه القضية الفلسطينية. فبدلاً من أن تبقى غزة نقطة إجماع إنساني وأخلاقي عابر للتيارات السياسية، تحوّلت في بعض الخطابات إلى مساحة صراع سياسي مفتوح بين مشاريع متنافسة، ما أضعف من قدرة الشارع العربي على إنتاج موقف موحد وفاعل.
ويشير هذا الواقع إلى أن تحويل القضية الفلسطينية من إطارها الإنساني الجامع إلى أداة في الصراع السياسي الداخلي يؤدي إلى نتائج عكسية، سواء على مستوى الحشد الشعبي أو على مستوى التأثير الدولي. فالقضايا الكبرى بطبيعتها تحتاج إلى أعلى درجات التوافق، لا إلى مزيد من الاستقطاب والانقسام.
بين التضامن الحقيقي والاستثمار السياسي
تكشف هذه التطورات عن إشكالية أعمق في كيفية تفاعل بعض القوى السياسية مع الأزمات الإنسانية الكبرى. فبينما يُفترض أن تشكل غزة مساحة لتوحيد الجهود العربية والدولية، يظهر خطاب يسعى إلى توظيفها في إعادة إنتاج النفوذ التنظيمي والسياسي، حتى لو كان ذلك على حساب وحدة الموقف العام.
إن التمييز بين التضامن الحقيقي مع الشعب الفلسطيني وبين الاستثمار السياسي في مأساته يبقى ضرورة لفهم تعقيدات المشهد الحالي. فالقضية الفلسطينية، بما تحمله من أبعاد إنسانية وتاريخية وأخلاقية، تتجاوز أي إطار حزبي أو تنظيمي، وأي محاولة لاختزالها ضمن مشروع سياسي ضيق، تسهم في إضعافها بدلاً من دعمها.
بذلك، يبدو أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في استمرار دعم غزة، بل في حماية هذا الدعم من التوظيف السياسي الذي قد يحوله من عامل توحيد إلى أداة استقطاب وانقسام داخل الفضاء العربي، في لحظة تاريخية تتطلب أعلى درجات التضامن لا إعادة إنتاج الخلافات.















