حين هاجم مسلحون تابعون لجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” في مايو المنصرم موقعاً لتعدين الذهب تديره مصالح صينية قرب نارينا جنوب غربي باماكو، لم يُنظر إلى العملية بوصفها حادثاً معزولاً. فبحسب تحقيق نشرته مجلة “جون أفريك”، عكس الهجوم تحولاً أعمق في استراتيجية الجماعة، من استهداف الدولة والجيش إلى استهداف مصادر الثروة نفسها.
يمثل الذهب اليوم العمود الفقري للاقتصاد المالي. ووفق بيانات الحكومة المالية وتقارير “رويترز”، بلغ الإنتاج الرسمي للبلاد نحو 48.2 طناً في عام 2025، بينما تشير تقديرات متخصصة إلى أن التعدين الحرفي وغير الرسمي قد يضيف ما بين 30 و60 طناً أخرى سنوياً، ما يرفع القيمة الإجمالية للذهب المنتج في مالي إلى أكثر من 7 مليارات دولار وفق الأسعار الحالية.
يكتسب هذا الرقم أهمية خاصة عند مقارنته باقتصاد الرهائن، الذي ارتبط لعقدين تقريبًا بالجماعات الجهادية في الساحل. إذ تشير تقديرات أممية وأوروبية إلى أن شبكات القاعدة والجماعات المتحالفة معها جنت عشرات ملايين الدولارات من عمليات الخطف بين عامي 2003 و2020، لكن تلك الإيرادات ظلت مرتبطة بعمليات متقطعة وغير قابلة للتنبؤ. أما الذهب، فيوفر تدفقات مالية أكثر استقراراً واستدامة، عبر الإتاوات ورسوم الحماية والضرائب المفروضة على المنقبين والوسطاء وشبكات النقل.
من السيطرة على الأرض إلى الاقتصاد
تشير دراسات صادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، ومعهد الدراسات الأمنية الإفريقي (ISS)، إلى أن الجماعات المسلحة لم تعد بحاجة إلى السيطرة المباشرة على المناجم الصناعية الكبرى لتحقيق مكاسب مالية كبيرة. لأن الأهم هو السيطرة على البيئة الاقتصادية المحيطة بها.
وخلال السنوات الأخيرة، توسعت “نصرة الإسلام والمسلمين” من معاقلها التقليدية في الشمال والوسط نحو مناطق أكثر أهمية اقتصاديًا في كوليكورو وكايس وأطراف باماكو، حيث تتقاطع طرق التجارة والتعدين.
وباتت الجماعة تسيطر فعليًا على أجزاء واسعة من الطرق والمسارات البرية التي تربط الشمال والوسط بالعاصمة، كما أصبحت لاعبًا رئيسيًا في شبكات النقل والإمداد. وخلال الأشهر الماضية، تصاعدت عمليات الاستيلاء على الشاحنات والقوافل التجارية، بما في ذلك قوافل الوقود والمواد الغذائية المتجهة إلى باماكو.
اللافت أن الجماعة لا تكتفي بمصادرة هذه الشحنات، بل تُقدم في حالات عديدة على إحراق صهاريج الوقود والشاحنات المحملة بالمواد الغذائية بعد الاستيلاء عليها. وهو سلوك يعكس تحولاً في طبيعة الجماعة من تنظيم يسعى للحصول على الموارد إلى قوة تمتلك بالفعل مصادر تمويل كافية من الضرائب والذهب والاقتصاد الموازي، بحيث لم تعد بحاجة إلى الاحتفاظ بكل ما تستولي عليه.
يقول بعض الباحثين المتخصصين في شؤون الساحل، إن إحراق القوافل بات يحمل رسائل سياسية واقتصادية أكثر من كونه عملية نهب، إذ يهدف إلى إضعاف الدولة ورفع كلفة الإمداد على باماكو وإظهار عجز السلطات عن حماية شرايين الاقتصاد الوطني.
“نفط” الجماعات المسلحة الجديد
لو اعتبرنا أن الجماعات المسلحة تفرض إتاوات تتراوح بين 5 و10% على جزء من الاقتصاد الذهبي غير الرسمي فقط، فإن العائدات المحتملة تصبح كبيرة للغاية.
وعند تقدير إنتاج الذهب الحرفي بنحو 30 طناً سنوياً، فإن قيمته السوقية الحالية تتجاوز 4 مليارات دولار. ويعني اقتطاع 5% فقط من هذه القيمة إيرادات تناهز الـ 200 مليون دولار سنوياً، وربما تفوق الـ 400 مليونًا، إذا ارتفعت النسبة إلى 10%.
وفي ظل الأزمة السياسية والأمنية التي تعيشها مالي، وتراجع قدرة الدولة على فرض سيطرتها على أجزاء واسعة من البلاد، يُخشى أن يتحول الذهب إلى ما يشبه “النفط الجديد” للجماعات المتطرفة في الساحل.
بالطبع، لا تعني هذه الأرقام أن التنظيمات المسلحة تسيطر على كامل القطاع، لكنها تكشف حجم الموارد التي يمكن أن تتدفق إليها إذا نجحت في فرض نفوذها على جزء محدود فقط من سلاسل الإنتاج والنقل والتجارة.
التحول الأهم في مشهد الصراع المالي
تنتقل الجماعات المسلحة تدريجيًا من اقتصاد قائم على العمليات الاستثنائية إلى اقتصاد قائم على الجباية المنتظمة. ومن نموذج يعتمد على خطف الرهائن للحصول على أموال متقطعة، إلى نموذج أقرب إلى “النظام الضريبي” الذي يوفر دخلاً مستمراً يمكن من خلاله تمويل العمليات العسكرية والتجنيد وشراء السلاح ودفع الرواتب.
فإذا كانت الفدية قد صنعت ثروة القاعدة في العقدين الماضيين، فإن الذهب قد يكون المورد الذي يمنح هذه الجماعات قدرة أكبر على البقاء والتمدد خلال العقد المقبل، خصوصاً مع توسع نشاطها على الطرق التجارية وسيطرتها المتزايدة على مسارات الاقتصاد غير الرسمي في واحدة من أغنى مناطق إفريقيا بالموارد الطبيعية.















