شكلت الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط تلك النقطة التي أفاضت كأس الأزمة الاقتصادية في إيران، فعلى الرغم من تباهي نظام طهران بورقة “هُرمز” وليّ عنق الاقتصاد العالمي، إلا أنه وفي كل مرة يُصعّد كمن يطلق رصاصة على قدمه؛ فالاقتصاد الإيراني دخل بحرب 39 يوماً وما تلاها من حالة اللاسلم واللاحرب، ترافقت بتضخم جامح وأزمة معيشية حادة وفقر متفاقم، وهو وضع لم ينشأ قبل ثلاثة أشهر، ولن يكون من السهل السيطرة عليه حتى لو توقف الصراع.
في أحدث مؤشر عن عمق الأزمة الاقتصادية في إيران، ظهرت طبقة احتار الاقتصاديون في تصنيفها فبات يُطلق عليهم “المليارديرات الفقراء”. الارتفاع الجامح في أسعار الأصول وما رافقه من انهيار في القدرة الشرائية، خلق مجتمعاً يبدو فيه العديد من الإيرانيين أثرياء “تقنياً”، لكنهم في الواقع عاجزون حتى عن تغطية نفقات المعيشة الأساسية.
بينما خلقت موجات التضخم المتراكمة وانهيار قيمة العملة الوطنية فقاعة هائلة في قيمة المساكن والسيارات والسلع المعمرة، تحوّل ملايين الإيرانيين إلى مالكي أصول تُقدّر قيمتها بمليارات الريالات، لكنهم في المقابل، يواجهون أزمات مالية يعجزون معها عن تحمل تكلفة صيانة المنازل وإصلاح السيارات أو حتى شراء السلع الضرورية.
بين القيمة الاسمية والحقيقية
جاءت ظاهرة “المليارديرات الفقراء” كنتيجة مباشرة للتضخم الهيكلي وفشل السياسات الاقتصادية. لم يعد معها ارتفاع القيمة الاسمية للأصول عامل رخاء، بل مصدر ضغط. ويعكس هذا المصطلح التناقض الصارخ في الاقتصاد الإيراني، حيث تضخمت القيمة الظاهرية للأصول فيما انهارت القدرة الحقيقية على توفير عيش كريم. اليوم، حتى أصغر شقة في طهران باتت تُقدّر قيمتها بعشرات المليارات من الريالات. مع ذلك، فإن دخل العديد من مالكي هذه المنازل لا يكفي حتى لتغطية نفقات المعيشة الأساسية.
في سوق السيارات، المشهد مماثل؛ فالمركبات التي كانت في متناول يد شريحة كبيرة من الإيرانيين، تُباع حالياً بمليارات الريالات، فيما يُعاني مالكوها من صعوبة في دفع تكاليف التأمين والإصلاح أو استبدال قطع الغيار.
أزمة معيشية حادة
جرّدت سنوات من التضخم المفرط وتدهور قيمة العملة الإيرانيين من قوتهم الشرائية، تاركة أكثر من 40 مليون إيراني تحت خط الفقر، ملايين منهم ضمن دائرة “الفقر المدقع” غير قادرين على تأمين السلع الغذائية الأساسية، وفق التقديرات الرسمية وتقارير مراكز الأبحاث في إيران.
في مؤتمر “توقعات الاقتصاد الإيراني 2026″، عرض اقتصاديون إيرانيون صورة قاتمة لمستقبل البلاد، مع بلوغ الركود والتضخم والبطالة وانهيار القدرة الشرائية للأسر مستويات خطيرة.

حذّر مسعود نيلي، الخبير والمستشار الاقتصادي الحكومي السابق، من أن الاقتصاد الإيراني قد تجاوز مرحلة الأزمة ودخل مرحلة تتفاقم فيها الأزمات بشكلٍ علني. واستناداً إلى بيانات رسمية من مركز الإحصاء الإيراني، لفت نيلي إلى أن التضخم في بعض القطاعات تجاوز 100%، وبأنه حتى لو انتهى الصراع وخفت حدة التوترات السياسية، فإن الاقتصاد الإيراني لن يعود إلى وضعه الطبيعي في المدى القريب. في الوقت نفسه، اتخذت أزمة سوق العمل أبعاداً جديدة. أوضح نيلي أنه في بلد تعداد سكانه 87 مليون نسمة، لا تتجاوز نسبة العاملين الثلث، وبأن أكثر من 5.5 مليون شخص انضموا إلى فئة العاطلين عن العمل.
بدوره، حذر الخبير الاقتصادي حجت ميرزائي من آفاق النمو الاقتصادي في إيران، متوقعاً حدوث انكماش هذا العام بمعدل قد يصل إلى -10%، وهو رقم معرض للتفاقم إذا تراجعت صادرات النفط أكثر. كما حذّر ميرزائي من أنه إذا استمر الوضع الراهن، سيزداد عدد الفقراء في إيران بما يتراوح بين 3.5 و4.5 مليون نسمة ليمثل العدد الإجمالي نحو نصف سكان البلاد.
طبقة وسطى في نادي الفقراء
بدأت الطبقة الوسطى في إيران، التي عادة ما تلعب دوراً متوازناً وإصلاحياً، تتآكل بوتيرة متسارعة، لتجد شريحة كبيرة نفسها مدفوعة بقوة نحو الفقر. الأطباء والمعلمون والمهندسون وموظفو المكاتب والمهنيون، الذين كانوا يُعتبرون حتى وقت قريب جزءاً من الطبقة الوسطى في إيران، باتوا اليوم يعانون من وطأة تكاليف السكن والغذاء والرعاية الصحية والمواصلات. هذه الفئة الاجتماعية التي كانت تلعب دوراً مهماً في النشاط الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، تنفق اليوم جزءاً كبيراً من دخلها على تأمين قوتها اليومي.
انهيار الطبقة الوسطى ليس مجرّد أثر جانبي، فقد شكل ذلك تاريخياً أساساً لأزمات سياسية واجتماعية عميقة. في غضون ذلك، هناك إشارات عن ظهور حالة من الجمود الاجتماعي في البلاد، مع غياب الأمل في المستقبل وفي التغيير.
ليست أزمة عابرة
الاقتصاد الإيراني ليس أمام أزمة ركود مؤقتة أو عابرة، فقد دخل بالفعل مرحلة الأزمة الهيكلية مع تشديد العقوبات، واضطراب التجارة الخارجية، وقيود الاستيراد، وتقلبات العملة، فضلاً عن عجز الموازنة العامة، وارتفاع التكاليف، وانقطاع الإنترنت. وقد دخل التضخم في إيران مرحلة لم تعد فيها السياسات النقدية والمالية التقليدية فعّالة، فالبلاد الآن عالقة في حلقة مفرغة من التوقعات التضخمية والتدهور المستمر للعملة التي بلغت مستويات دنيا تاريخية أمام الدولار.
عملياً، يعني ذلك أن الأسعار ترتفع ليس فقط بسبب النقص أو عجز الموازنة، بل لأن المجتمع نفسه فقد الثقة في القيمة المستقبلية للريال الإيراني.
صحيح أن التوترات الجيوسياسية الأخيرة دفعت اقتصاد إيران أكثر نحو الركود العميق مع تعطل جزء كبير من الإنتاج نتيجة دمار المصانع والبنية التحتية جراء الحرب، غير أن أزمته تبدو أكثر تعقيداّ؛ فهي نتاج عقود من الفساد والسياسات الاقتصادية والإدارية غير الفعالة، وإنفاق حكومي مفرط على آلة “تصدير الثورة” وما فرضه من ضياع المليارات من موارد البلاد على أذرع ومخططات خارجية.
هذه السياسات خلقت نموذجاً اقتصادياً هشاً أمام الصدمات، غير قادر، رغم موارده المهمة والمتعددة، على ضمان استقرار معيشي واجتماعي، يحفظ قيمة الأصول ويمنح المجال للإيرانيين لمراكمة الثروة. بل على العكس، في إيران لم يعد حتى امتلاك الأصول ضماناً لحياة كريمة.















