حين تُضاء مساء اليوم 12 مايو أضواء الكروازيت، لا يفتتح مهرجان “كان” السينمائي دورته التاسعة والسبعين بوصفه احتفالًا سينمائيًا فحسب، بل باعتباره مرآة كبرى لقلق العالم. فمن 12 إلى 23 مايو 2026، تعود المدينة المتوسطية الصغيرة لتصير عاصمة رمزية لسينما المؤلف، حيث تتنافس 22 فيلمًا على السعفة الذهبية، في دورة يرأس لجنة تحكيمها المخرج الكوري بارك تشان-ووك.
ما يلفت في مسابقة هذا العام ليس فقط ثقل ومكانة الأسماء: أصغر فرهادي، بيدرو ألمودوفار، هيروكازو كوري إيدا، كريستيان مونجيو، ريوسوكي هاماجوتشي، أندريه زفياغينتسيف، لازلو نيميش وجيمس غراي. الأهم هو أن هذه الأسماء، القادمة من جغرافيات متباعدة، تبدو كأنها تكتب فصولًا مختلفة من كتاب واحد: كتاب الإنسان المعاصر حين يجد نفسه محاصرًا بين الماضي والمرض والحرب والمنفى والأسرة بوصفها ملاذًا ومصيدة في آن واحد.
سينما الكبار
تبدو المسابقة، في ظاهرها، عودة قوية إلى “سينما الكبار”. لكن تحت بريق النجومية تكمن نبرة أكثر قتامة: أفلام عن الحداد، والشيخوخة، والإيدز، والخرف، والهجرة، والذكاء الاصطناعي، والحروب التي لا تكف عن تلويث الحاضر. وقد لوحظ أن دورة 2026 تميل إلى السينما المستقلة، في غياب نسبي للبلوكباستر الهوليوودي..
في “حكايات متوازية”، يعود الإيراني أصغر فرهادي إلى الفرنسية، وإلى باريس، لا بوصفها مدينة رومانسية، بل مختبرًا أخلاقيًا. كاتبة تراقب جيرانها بحثًا عن مادة لرواية، فإذا بها تتورط في لعبة مرايا بين الرغبة والاقتحام والتخييل. الاستلهام من كيشلوفسكي هنا ليس تفصيلًا ثقافيًا، بل إعلان نوايا: فرهادي يريد العودة إلى السينما كمساحة للسؤال الأخلاقي، حيث لا أحد بريء تمامًا، ولا أحد مذنب تمامًا.
أما ألمودوفار، في “عيد ميلاد مُرّ”، فيبدو كمن يواصل تحويل سيرته الداخلية إلى ميلودراما مشرَّحة. الفيلم، الذي عُرض تجاريًا في إسبانيا قبل كان، يدخل المسابقة كاستثناء لافت، لكنه أيضًا يؤكد مكانة المخرج الإسباني كأحد أبناء المهرجان المدللين. هنا نجد ألمودوفار في منطقته الأثيرة: أم ميتة، امرأة تهرب، رجل يكتب، وحياة تتحول إلى سيناريو داخل السيناريو. إنها لعبة الاعتراف المقنّع التي جعلت من أفلامه الأخيرة رسائل شخصية بقدر ما هي أعمال روائية.
المؤسسة الهشة
وتحضر الأسرة، هذه المؤسسة الهشة، بقوة في أكثر من فيلم. كوري إيدا، في “خروف في الصندوق”، يذهب إلى الخيال العلمي لا ليغادر عالمه، بل ليعود إليه من باب آخر: زوجان يستحضران روبوتًا في هيئة طفل بعد فقدان الابن. السؤال ليس تقنيًا، بل عاطفي وأنطولوجي: ما الذي يجعل الطفل طفلًا؟ وما الذي يجعل الأسرة أسرة؟ إنه امتداد منطقي لسينما كوري إيدا، التي لطالما شغلتها الروابط المغايرة أكثر من روابط الدم.
وفي “فيورد”، يضع كريستيان مونجيو عائلة رومانية نرويجية داخل مجتمع صغير، حيث يتحول الشك في تربية الأبناء إلى اضطراب جماعي. مونجيو، كما عرفناه منذ “أربعة أشهر وثلاثة أسابيع ويومان”، لا يحب القضايا المعلنة، بل يفضل أن يزرع لغمًا أخلاقيًا داخل الحياة اليومية، ثم يراقب كيف تنفجر العلاقات والطبقات والمؤسسات.
ثمة أيضًا عودة واضحة إلى التاريخ، لكن ليس باعتباره متحفًا. في “أرض الأب”، يستعيد بافيل بافليكوفسكي المفكر الألماني توماس مان وابنته إريكا في ألمانيا ما بعد الحرب، بالأبيض والأسود، كما لو أن الصورة ذاتها لا تستطيع أن تتصالح مع ألوان العالم. وفي “مولان”، يعود لازلو نيميش إلى فرنسا تحت الاحتلال النازي، مستعيدًا جان مولان، رمز المقاومة، بينما يذهب إيمانويل مار في “رجل عصره” إلى فرنسا حكومة فيشي المتواطئة مع الاحتلال النازي من زاوية أكثر التباسًا: مثقف يؤمن بأنه يحمل خلاص فرنسا، لكنه يتحرك داخل منطقة رمادية بين القناعة والوهم والتواطؤ.
الحاضر السياسي المضطرب
هذه العودة إلى الحرب العالمية الثانية لا تبدو حنينًا إلى بطولات جاهزة، بل محاولة لقراءة حاضر سياسي مضطرب من خلال ماضي أوروبا الأكثر ظلمة. وليس مصادفة أن تُفتتح هذه الدورة في مناخ فرنسي مشحون سياسيًا، قبيل انتخابات 2027، وسط نقاشات حول الثقافة والتمويل العام وصعود اليمين؛ وهي خلفية تجعل كان، مرة أخرى، أكثر من مهرجان سينمائي.
في المقابل، تنفتح المسابقة على سينما النوع: نا هونغ جين يعود في “أمل” بفيلم خيال علمي تشويقي قرب المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين، حيث يبدأ الخطر بنمر هارب وينتهي بكابوس أكبر. أندريه زفياغينتسيف، في “مينوتور”، يعود من مرض كاد يقتله ومن منفى اختاره، ليواصل تشريح الأقلية الروسية الثرية، لا بوصفها طبقة اجتماعية فقط، بل متاهة أخلاقية.
لوكاس دونت في “جبان” ينقل حساسيته المعاصرة إلى خنادق الحرب العالمية الأولى، حيث يصير المسرح وسيلة للبقاء وسط العنف. أما إيرا ساكس، في “الرجل الذي أحبه”، فيعود إلى نيويورك الثمانينيات، إلى الإيدز والمجتمع الإبداعي والجسد حين يصبح ساحة للمرض والوصم والمقاومة. أما لوس خافيس، في “الكرة السوداء”، فيقترحان ثلاث حكايات عن رجال مثليين عبر أزمنة مختلفة، في ما يبدو كأنه محاولة لكتابة ذاكرة “كويرية” إسبانية عابرة للقرن.
النساء يفرضن هيمنتهن
الملفت أيضا هيمنة النساء، لا فقط كمخرجات، بل كشخصيات قلقة وممزقة. ليا ميسيو في “حفل عيد الميلاد”، ماري كرويتزر في “وحش لطيف”، شارلين بورجيو تاكوي في “حياة امرأة”، وجين إيري في “يوم آخر”، يقدمن بطلات على حافة الانهيار: أم في عزلة، عازفة ممزقة بين الحب والشك، طبيبة ناجحة يقتحم كاتب حياتها، وممثلة شابة تنزلق نحو الكحول والقلق. إنها ليست “سينما نسائية” بالمعنى الاختزالي، بل سينما عن الجسد الأنثوي حين يصبح أرشيفًا للضغط الاجتماعي والعاطفي والمهني.
ومن اليابان أيضًا يأتي هاماجوتشي في “بشكل مفاجئ”، ليواصل بحثه في الإصغاء والمرض والعلاقات العابرة للغات، بينما يقدم كوجي فوكادا في “ملاحظات ناجي” حكاية ريفية عن الفقدان وإعادة تعريف الذات. اليابان هنا لا تأتي بصورة واحدة: عند كوري إيدا هي مختبر للأسرة الاصطناعية، عند هاماجوتشي فضاء للحوار والمرض، وعند فوكادا أرض هادئة تتكلم فيها الذاكرة بصوت منخفض.
في المحصلة، تبدو مسابقة كان 2026 كأنها تتحرك بين قطبين: من جهة، سينما أسماء كبرى تعود لتأكيد مكانتها؛ ومن جهة أخرى، سينما قلق وجودي تعترف بأن العالم لم يعد ينتج يقينًا. الأسرة لم تعد مستقرة، الوطن لم يعد مضمونًا، الجسد لم يعد مأمونًا، والتاريخ لم يعد ماضيًا.
لذلك، قد لا تكون السعفة الذهبية هذا العام مكافأة لأجمل فيلم فقط، بل للفيلم القادر على التقاط روح الدورة: روح عالم يعيش فوق صدع، ويذهب إلى السينما لا لكي يهرب من الخوف، بل لكي يمنحه شكلًا، وصورة، وحكاية.















