برحيل المخرج المغربي نبيل لحلو، تفقد السينما المغربية واحدًا من أكثر أصواتها تمرّدًا وجرأة واختلافًا. مخرج لم يتعامل مع السينما بوصفها صناعة للترفيه أو وسيلة للنجومية، بل باعتبارها فعل مواجهة دائمة مع السلطة والمجتمع والذاكرة والوعي الجماعي.
كان نبيل لحلو ينتمي إلى ذلك الجيل الذي آمن بأن الصورة يمكن أن تكون أداة احتجاج، وأن الفيلم قادر على مساءلة الواقع بدلًا من الاكتفاء بإعادة تمثيله.
في زمن كانت فيه الرقابة السياسية والاجتماعية شديدة الوطأة، اختار لحلو أن يسبح عكس التيار، وأن يصنع سينما حادة، ساخرة، ومزعجة أحيانًا، لا تهادن السلطة ولا تسترضي الجمهور. لم يكن معنيًا ببناء حبكات كلاسيكية أو تقديم شخصيات مطابقة لقواعد السرد التقليدي، بل كان أقرب إلى فنان تشكيلي أو مسرحي يفكك الواقع عبر لوحات ومواقف وحوارات لاذعة، تفيض بالرمز والعبث والسخرية السوداء.
منذ فيلمه المبكر “الموتى” عام 1975، أعلن لحلو انحيازه إلى سينما مختلفة، قبل أن يكرّس هذا التوجه أكثر في فيلم “القنفودي” عام 1978، الذي يعد واحدًا من أكثر أفلامه جرأة في نقد السلطة والسخرية من النظام خلال ما عرف في المغرب بـ “سنوات الرصاص”. لم يكن الفيلم مجرد عمل سياسي مباشر، بل كان محاولة لتفكيك البنية السلطوية عبر خطاب بصري عبثي وساخر، يستخدم الإيحاء أحيانًا والمواجهة المباشرة أحيانًا أخرى.
وفي فيلم “الحاكم العام لجزيرة الشاكرباكربن” (1980)، ذهب أبعد في بناء عالم غرائبي يقترب من الكابوس السياسي، حيث تتحول الجزيرة المتخيلة إلى استعارة عن الاستبداد والعزلة والسلطة المطلقة. أما “إبراهيم ياش” (1982)، أحد أبرز أفلامه وأكثرها شهرة، فقدّم نقدًا لاذعًا للطبقية الاجتماعية والانتهازية والفساد الأخلاقي، عبر شخصية تتحرك داخل مجتمع مأزوم تتآكل فيه القيم الإنسانية.
أفلام عصية على الاستهلاك السهل
كان واضحًا أن تكوينه المسرحي ترك أثرًا عميقًا على لغته السينمائية. فالمشهد عنده غالبًا ممسرح، يعتمد على الحوار المكثف والحركة الرمزية والتكوينات البصرية المقصودة، أكثر من اعتماده على الواقعية التقليدية. ولهذا بدت أفلامه عصية على الاستهلاك الجماهيري السهل، وموجهة إلى متلقٍ مستعد للتفكير والتأويل، لا إلى جمهور يبحث عن الحكاية البسيطة أو الترفيه العابر.
في “نهيق الروح” (1984) و”كوماني” (1989)، واصل لحلو اشتغاله على الأسئلة الوجودية والسياسية والعبثية، بينما حمل فيلم “ليلة القتل” (1992) أجواء أكثر قتامة وسوداوية، تعكس إحساسًا بانهيار المعنى داخل واقع مأزوم. أما “سنوات المنفى” (2002)، فقد بدا كأنه تأمل متأخر في الذاكرة والاغتراب والخيبات السياسية لجيل كامل.
وعاد في فيلم “ثابت أو غير ثابت” (2006)، إلى نقد رجال السلطة واستغلال النفوذ والبيروقراطية، مؤكدًا استمرار انشغاله بالعلاقة المعقدة بين الفرد والمؤسسة، بينما حمل فيلمه “شوف الملك في القمر” (2011) نبرة أكثر تهكمًا وسخرية تجاه الواقع السياسي والاجتماعي المغربي.
السينما: مشروع فكري متكامل
ما ميّز تجربة نبيل لحلو أنه لم يكن يسعى إلى صناعة سينما “مقبولة” أو قابلة للتسويق، بل كان يصنع أفلامًا تؤمن بحريتها المطلقة حتى لو دفعت ثمن العزلة والتهميش. لم يكن يخشى الاصطدام بالمؤسسات أو الذائقة السائدة، وكان مستعدًا دائمًا للدفاع عن حق السينما في أن تكون مزعجة وصادمة وغير مريحة.
لهذا يصعب اليوم العثور على تجربة مشابهة له في السينما المغربية المعاصرة. فالكثير من الأفلام الحالية، رغم احترافيتها التقنية، تبدو أكثر حذرًا وأقل استعدادًا للمغامرة الفكرية والجمالية التي خاضها لحلو طوال مسيرته. لقد كان من القلائل الذين تعاملوا مع السينما باعتبارها مشروعًا فكريًا متكاملًا، لا مجرد مهنة أو صناعة.
برحيله، لا تخسر السينما المغربية مجرد مخرج، بل تخسر أحد آخر الحالمين بسينما متمردة، حرة، ومشبعة بالأسئلة. مخرج ظل، حتى النهاية، وفيًا لفكرته الأساسية: أن الفن الحقيقي لا يهادن، ولا يطمئن، بل يقلق العالم ويحرّضه على النظر إلى نفسه بعيون أكثر قسوة وصدقًا.















