بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

مقالات مشابهة

من عُمق الغربة والاقتلاع

“تيمشار.. نشيج الحجر” لإنتاغريست الأنصاري: رواية طارقية تنبض بروح الصحراء

بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

في كتابه “تيمشار.. نشيج الحجر”، يقدّم الشاعر والروائي الطوارقي إنتاغريست الأنصاري نصًا أدبيًا ينبض بروح الصحراء، حيث تتقاطع الذاكرة مع الحنين، ويتحوّل السَّرد إلى فعل مقاومة في وجه النسيان. هذا العمل ليس مُجرد مجموعة نصوص، بل هو مساحة تتجاور فيها الحكاية والشعر، ليشكّلا معًا صوتًا إنسانيًا عميقًا صادرًا من قلب تجربة المنفى.

ينطلق إنتاغريست الأنصاري من عالمه الطوارقي، حيث الخيام، والأساطير، وذاكرة الترحال، ليعيد تشكيل هذا الإرث في لغة شاعرية مكثفة. الصحراء هنا ليست خلفية جغرافية فحسب، بل كيان حيّ يتنفس في الكلمات، ويحمل رمزية الزمن والاستمرارية، كما يعكس هشاشة الوجود الإنساني أمام التحولات التي تهدد هذا العالم التقليدي.
ينحدر إنتاغريست من سلالة قبيلة الأنصاري المرموقة في مدينة تمبكتو، وهي مدينة عُرفت عبر التاريخ كمركز علمي وثقافي في غرب إفريقيا. ويُعدّ، بحسب ما يُروى عن مسيرته، أول روائي يخرج من هذه القبيلة، ما يمنح تجربته الأدبية بُعدًا رياديًا داخل محيطه الاجتماعي والثقافي.

غير أن هذا الامتداد التاريخي لم يمنعه من معايشة واقع قاسٍ، إذ يعيش اليوم لاجئًا في موريتانيا، وهي تجربة طبعت كتاباته بإحساس عميق بالغربة والاقتلاع. في نصوصه، لا يظهر المنفى مُجرد مكان، بل يتحول إلى حالة وجودية، تتقاطع فيها الذاكرة مع الألم، ويغدو الحنين إلى الصحراء شكلاً من أشكال المقاومة.

تتغذى كتاباته من التراث الشفهي الطوارقي، حيث الشعر والحكاية وسيلتان لحفظ التاريخ ونقله، ولذلك تبدو أعماله وكأنها امتداد لصوت جماعي يسعى إلى البقاء. ومن خلال مزجه بين السَّرد والشعر، يحاول الأنصاري أن يمنح هذا التراث شكلاً جديدًا، قادرًا على الوصول إلى القارئ المعاصر دون أن يفقد جذوره.

يتميّز الكتاب بتداخل الأجناس الأدبية؛ فهو يراوح بين القصة القصيرة والقصيدة، في أسلوب يتيح للكاتب أن يعبّر بحرية عن تجربته، وأن يمنح النص بعدًا تأمليًا عميقًا. اللغة مشحونة بالصور والاستعارات، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على بساطة تنبع من طبيعة البيئة التي تستلهمها، مما يجعل النص قريبًا من القارئ، دون أن يفقد عمقه الفني.

من أبرز القضايا التي يطرحها العمل مسألة الهوية والذاكرة. فالأنصاري يكتب من موقع المنفى، حيث تتضاعف الحاجة إلى التمسك بالجذور، وإلى إعادة سرد الحكايات التي تشكّل الوعي الجماعي. في هذا السياق، يصبح الأدب وسيلة لحفظ التراث الطوارقي من الاندثار، ووسيلة أيضًا لإيصال هذا الصوت إلى العالم.

كما يحمل الكتاب بُعدًا سياسيًا غير مباشر، يتمثل في الإحساس بالفقد والتهميش، وفي القلق من اختفاء نمط حياة كامل تحت وطأة التغيرات المعاصرة. غير أن هذا البعد لا يُطرح بشكل خطابي، بل يتسرّب عبر الصور الشعرية والسَّرد الهادئ، مما يمنح النص قوة تأثير أكبر.

في النهاية، يمكن القول إن “تيمشار.. نشيج الحجر” عمل يجمع بين الجمال الأدبي والرسالة الثقافية، حيث ينجح إنتاغريست الأنصاري في تحويل التجربة الشخصية إلى نص إنساني شامل. إنه كتاب عن الذاكرة، وعن الأرض، وعن الإنسان في مواجهته مع الزمن، لكنه أيضًا كتاب عن الأمل في أن تبقى الحكاية حيّة، مهما اشتدّ النسيان.