دخل الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية أسبوعه الثالث، مع تصاعد التساؤلات حول قدرته الفعلية على خنق الموارد المالية لطهران. وبينما تُصرّ القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) على إحكام السيطرة على مضيق “هُرمز”، تكشف البيانات الملاحية عن مشهد أكثر تعقيداً، تتحرك فيه ناقلات النفط ضمن هامش مراوغة قائم على التمويه القانوني والتقني، ما يفتح ثغرات في منظومة الردع ويحوّل الحصار إلى ساحة اختبار مفتوحة بين الصرامة الأمريكية والمرونة الإيرانية.
في هذا السياق، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المشهد بأنه “حصار مزدوج”، حيث تمنع واشنطن خروج النفط من الموانئ الإيرانية، في حين تعمل طهران على تقييد الدخول عبر المضيق. وبدا هذا التوصيف مُتجسداً في تسلسل الأحداث، إذ فتحت إيران المضيق جزئياً في 17 إبريل/نيسان خلال هدنة لبنان، قبل أن تعيد إغلاقه في اليوم التالي رداً على تمسك واشنطن بالحظر، ما أرسى معادلة ضغط متبادل تُقيّد حركة الملاحة في الاتجاهين.
أرقام متناقضة وواقع رمادي
تعكس الأرقام المعلنة فجوة واضحة بين الروايتين الأمريكية والملاحية. بحلول 22 من الشهر نفسه، أعلنت “سنتكوم” تحويل مسار 33 سفينة ومنعها من مغادرة المضيق، في ذروة التصعيد البحري. في المقابل، تشير بيانات ملاحية إلى عبور ما لا يقل عن 26 سفينة مرتبطة بما يُعرف بـ”أسطول الظل” الإيراني خلال الأسبوع الأول من الحصار، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى صرامة الإغلاق.
يبرز هذا التناقض في قضية ناقلتَي “هيرو 2” و”هيدي”، حيث تحدثت تقارير عن نجاحهما في اختراق الحصار، قبل أن تنفي “سنتكوم” ذلك بشكل قاطع، مؤكدة اعتراضهما وإعادتهما إلى ميناء “تشاه بهار”. ويكشف هذا التضارب أن المعركة لا تقتصر على البحر، بل تمتد إلى ساحة السرديات، حيث تتحول الأرقام إلى أدوات في حرب نفسية موازية.
ميدانياً، يُظهر تباين واضح في فعالية الحصار، إذ ينجح بشكل أكبر في تعطيل حركة سفن الحاويات والبضائع العامة، بينما تُظهر ناقلات النفط قدرة أعلى على المناورة والتخفي، ما يمنحها هامشاً أوسع لاختراق القيود.
ثلاثية التحايل البحري
تعتمد إيران على منظومة متكاملة من التكتيكات لتجاوز الحصار، تقوم على التزييف الإلكتروني الذي يضلل أنظمة التتبع عبر إرسال مواقع وهمية، وعلى ما يُعرف بـ”الإبحار المُظلم” من خلال إيقاف أجهزة الإرسال في النقاط الحساسة، إضافة إلى استخدام أعلام دول محايدة لتفكيك المسؤولية القانونية وتعقيد قرارات الاعتراض.
تمنح هذه الأدوات مجتمعة طهران قدرة على الحفاظ على حد أدنى من تدفق النفط، بما يشبه “أوكسجيناً مالياً” يُبقي اقتصادها في حالة صمود، ويعزز ذلك امتلاكها سعة تخزين تتجاوز 48 مليون برميل، تشمل كميات مخزنة عائماً يمكن استخدامها لامتصاص الصدمات وتدوير الشحنات بعيداً عن أعين الرقابة.
وعلى الرغم من التصعيد في الخطاب السياسي، تبرز تقديرات تقنية تُضعف فرضية “الانهيار الفوري” التي يُروّج لها البيت الأبيض. فقد زعم ترامب أن الحصار قد يؤدي إلى “انفجارات” في البنية النفطية الإيرانية خلال أيام نتيجة توقف التدفقات داخل الأنابيب، إلا أن هذا السيناريو يواجه تشكيكاً واسعاً من قبل خبراء الطاقة.
يشير مختصون إلى أن تعطّل التصدير لا يؤدي إلى انفجارات، بل إلى امتلاء تدريجي للمخزونات، ما يفرض خفض الإنتاج أو إغلاق الآبار بشكل مُنظّم. وتُظهر تجارب سابقة في دول منتجة أن مثل هذه الحالات تُدار تقنياً من دون انهيارات مفاجئة، ما يعزز فرضية أن الضغط الحالي، على الرغم من تكلفته، يبقى ضمن نطاق التكيّف التشغيلي أكثر منه انهياراً وشيكاً.
توسيع نطاق المطاردة
لم يعد الحصار الأمريكي محصوراً في مضيق “هُرمز” وخليج عُمان، بل امتد إلى مسارح أبعد بكثير، حيث نفذت القوات الأمريكية عمليات اعتراض في المحيط الهندي وخليج البنغال ضمن نطاق قيادة “سنتكوم”، في تحول يعكس انتقال واشنطن من منطق “الإغلاق الجغرافي” إلى “الملاحقة العالمية”.
في هذا السياق، أكد البنتاغون صعود قواته على متن سفينة محايدة تحمل نفطاً إيرانياً في المياه الدولية، في رسالة واضحة مفادها أن نطاق العمليات لن يتوقف عند حدود المضيق. هذا التوسع يعكس إدراكاً بأن شبكة نقل النفط الإيرانية باتت عابرة للمناطق، وأن مواجهتها تتطلب انتشاراً عملياتياً على امتداد خطوط الملاحة العالمية.
بين الاختناق والصمود
تقوم الاستراتيجية الأمريكية على فرضية أن الحصار سيؤدي سريعاً إلى امتلاء خزانات إيران، ما يدفعها إلى وقف الإنتاج تحت ضغط الاختناق. غير أن هذا الرهان يصطدم بمعطيات ميدانية معاكسة، أبرزها قدرة التخزين الكبيرة، واستمرار نشاط أسطول الظل، إضافة إلى وجود مشترين آسيويين لا يلتزمون بالعقوبات الغربية.
في المقابل، أسهمت الأزمة في رفع أسعار النفط، حيث بلغ سعر خام برنت نحو 100 دولار للبرميل، بزيادة كبيرة مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يوفر لطهران هامشاً مالياً إضافياً في حال تمكنت من تصدير جزء من إنتاجها خارج القنوات الرسمية.
تكمن المفارقة هنا في أن التجارة العامة تكاد تكون مشلولة، بينما تستمر تجارة النفط عبر الثغرات. فكل شحنة تنجح في العبور تُضعف فاعلية الحصار وتؤخر تحقيق هدف “الانهيار السريع” الذي تراهن عليه واشنطن.
اختبار مفتوح لإرادة الصمود
يتحوّل مضيق “هُرمز” إلى ساحة اختبار مركبة، لا تُقاس فيها القوة فقط بحجم الانتشار العسكري، بل بمدى القدرة على التكيّف مع القيود. فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى فرض حصار متعدد الطبقات يمتد من الخليج إلى المحيطات، تواصل إيران تطوير أساليب التفاف تعيد تشكيل قواعد الاشتباك البحري.
يبقى الحصار أداة تفاوض مركزية لم تُترجم بعد إلى اختراق سياسي. طهران تربط أي عودة إلى المسار الدبلوماسي برفعه، فيما تتمسك واشنطن به كرافعة ضغط رئيسية. وبين هذين الخيارين، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات التصعيد أو التسوية، في اختبار حقيقي لحدود الردع الأمريكي وقدرة إيران على الصمود ضمن معادلة استنزاف طويلة الأمد.















