تدخل المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية مرحلة مفصلية في واشنطن، حيث تحوّلت إلى اختبار مباشر لمفهوم السيادة في لبنان، مع انتقالها من أروقة وزارة الدفاع الأمريكية إلى البيت الأبيض، في دلالة على تصعيد القرار إلى مستواه السياسي الأعلى، ما يضع لبنان بين “فكّي كماشة” بين إسرائيل و”حزب الله”، وسط ضغوط متبادلة تعكس صراعاً على ملامح المرحلة المقبلة. ويعكس هذا التحول رغبة في تسريع الحسم وربط التهدئة بترتيبات استراتيجية أوسع. وذلك في ظل لحظة إقليمية شديدة الحساسية تُعيد رسم توازنات المنطقة.
في موازاة هذا التحول، برز تطور نوعي تمثّل في عقد لقاء مباشر ثانٍ بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر داخل مقر وزارة الخارجية الأمريكية، في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ العام 1993. هذا المسار المباشر يُبرز انتقالاً تدريجياً من الوساطات غير المباشرة إلى قنوات تفاوض أكثر وضوحاً وجرأة، ويشير إلى أن المرحلة الحالية لم تعد تحتمل إدارة الأزمة من خلف الكواليس.
هذا التقدم في الشكل التفاوضي يترافق مع ضغط أمريكي واضح لتحقيق اختراق خلال مُهلة زمنية محدودة، مستفيداً من أجواء وقف إطلاق النار لإعادة صياغة قواعد الاشتباك على الحدود الجنوبية.
ترامب: وقف النار مدخل لاتفاق أوسع
يلعب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دوراً محورياً في هذا المسار، حيث يدفع باتجاه تثبيت وقف إطلاق النار كخطوة أولى تفتح الباب أمام ما يصفه مقربون منه بـ”الصفقة الأوسع”. تقوم مقاربة ترامب على الربط بين الأمن والاقتصاد، بحيث يتم تقديم حوافز مالية وإعادة إعمار للبنان مقابل التزامات أمنية واضحة وطويلة الأمد.
في هذا السياق، يركز ترامب على ضرورة “تهدئة فورية ومستقرة” على الحدود مع إسرائيل، معتبراً أن أي اتفاق لا يضمن أمنها بشكل كامل لن يكون قابلاً للاستمرار. هذه المقاربة، على الرغم من طابعها العملي، تضع لبنان أمام معادلة دقيقة بين الحاجة الاقتصادية والاعتبارات السيادية.
بالتوازي مع المسار التفاوضي، تم التوافق على تمديد وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أسابيع، في خطوة تعكس حذراً متبادلاً بين الأطراف. فهذه المهلة القصيرة لا تهدف إلى تثبيت سلام دائم، بل إلى اختبار مدى الالتزام وقياس فرص الانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً.
وترى الدولة اللبنانية في هذه الهُدنة فرصة حيوية لخفض التصعيد، وفتح المجال أمام تحرك دبلوماسي مكثف لتأمين الدعم الدولي وإطلاق مسار إعادة الإعمار. إلا أن هشاشة هذه التهدئة تبقى واضحة، في ظل استمرار التوترات الميدانية وتباين تفسير بنودها.
استعادة القرار السيادي وعقدة السلاح
في هذا السياق، يؤكد وزير الخارجية يوسف رجّي أن لبنان بدأ يستعيد حقه في تقرير مصيره، مشدداً على أن الدولة وحدها تملك قرار التفاوض، وأن لبنان ليس تابعاً لأي محور. ويعتبر أن التفاوض مع إسرائيل ليس استسلاماً بل وسيلة لإنهاء الحرب واستعادة الأرض، في إطار سعي الدولة لتثبيت سيادتها وفصل قرارها عن الضغوط الخارجية، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن حصر السلاح بيد الدولة ومعالجة ازدواجية القرار مع “حزب الله” يمثلان شرطاً أساسياً لبناء دولة فعلية، في ظل كُلفة بشرية واقتصادية متزايدة، خصوصاً في الجنوب.
في موازاة ذلك، يرفع “حزب الله” منسوب رسائله التحذيرية، مؤكداً رفضه لأي ترتيبات أمنية يعتبرها تَمسّ “معادلة الردع” مع إسرائيل. وتحمل تصريحات الحزب في هذا السياق طابعاً مزدوجاً: تهديداً ضمنياً بالردّ على أي خرق أو تصعيد إسرائيلي، مقابل تحذير داخلي من أن أي التزام حكومي بتفاهمات لا يمر عبره سيُعدّ تجاوزاً للخطوط الحمراء. هذا الخطاب يعكس سعي الحزب للحفاظ على موقعه كطرف أساسي في معادلة الحرب والسلم، في مواجهة ضغوط دولية وإقليمية متزايدة لإعادة ضبط دوره العسكري داخل لبنان.
إسرائيل: التهدئة كمرحلة انتقالية
في المقابل، تتعامل إسرائيل مع وقف إطلاق النار كأداة مرحلية، تهدف من خلالها إلى فرض واقع أمني جديد على الحدود الشمالية. وتشمل هذه الرؤية إبعاد أي وجود مسلح للحزب عن الحدود، وتعزيز دور قوات اليونيفيل، إلى جانب توسيع نطاق الرقابة جنوب نهر الليطاني.
كما تستمر العمليات الميدانية المحدودة، ما يعكس استراتيجية “الضغط تحت سقف التهدئة”، بهدف تحسين شروط التفاوض من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
إيران: مرونة تكتيكية بلا تراجع استراتيجي
في خلفية المشهد، تبدو إيران أكثر ميلاً إلى مرونة تكتيكية تسمح بتمرير التهدئة في لبنان من دون التخلي عن نفوذها، مع الحفاظ على موقع “حزب الله” كأحد أبرز أدواتها الإقليمية، في مقاربة تعكس تجنّب التصعيد الشامل مع تثبيت مصالحها الاستراتيجية.
وسط هذا المشهد المعقد، تحاول الدولة اللبنانية استعادة موقعها كصاحبة القرار. غير أن نجاح هذا المسار يبقى رهناً بقدرتها على توحيد موقفها الداخلي، لأن أي اتفاق لن يكون قابلاً للحياة إذا بقيت ازدواجية القرار قائمة. وفي ظل المُهلة الزمنية الضيقة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تتحول الهدنة إلى بداية حلّ، أم مجرّد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من التصعيد؟















