بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

تفكك المركز وبداية الانهيار العابر للحدود.. منظومة “الإخوان المسلمين” بين سقوط الغطاء السياسي وتحوّل المواجهة الدولية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تدخل جماعة “الإخوان المسلمين”، مع انتصاف عقد العشرينيات، وتحديداً في مطلع العام 2026، نفقاً تاريخياً لم تعهده منذ نشأتها؛ إذ تجد نفسها أمام عملية “إعادة تعريف قسرية” لموقعها ودورها ضمن النظام الدولي. ولم يعد الأمر مُجرد أزمة سياسية عابرة مع نظام حاکم في دولة بعينها، بل نحن أمام تحول بنيوي في العقيدة الأمنية والسياسية للعديد من العواصم العالمية تجاه التنظيمات العابرة للحدود.

ما يُميز هذه المرحلة ليس فقط اتساع رقعة الإجراءات القانونية، بل انتقال المقاربة الدولية من “التعامل المُجزأ” مع فروع الجماعة، إلى “رؤية كلية” تعتبر التنظيم بنية واحدة مترابطة وظيفياً وعضوياً، حتى وإن اختلفت المُسميات المحلية. هذا التحول يعكس رغبة دولية في تفكيك “الظاهرة الإخوانية” ككل، عبر استهداف ركائزها الثلاث: التمويل العابر للقارات، الهياكل التنظيمية الوسيطة، والغطاء الفكري الذي كان يمرر عبر المساحات الرمادية.

تآكل “المناطق الرمادية” وسقوط استراتيجية التخفي

على مدى عقود، برعت الجماعة في الاستثمار داخل “المناطق الرمادية” في القانون والسياسة الدولية. كانت تستفيد من التباين في تعريف الإرهاب والعمل السياسي بين دولة وأخرى، ما أتاح لكوادرها هامش حركة واسعاً؛ فالعضو الملاحق في الشرق كان يجد لنفسه تعريفاً كـ”ناشط حقوقي” أو “باحث أكاديمي” في الغرب.

لكن في العام 2026، نلاحظ تقلصاً حاداً في هذا الهامش. الدول الغربية، التي كانت توفر ملاذات آمنة تحت لافتات التعددية، بدأت تتقارب في تعريفها للمخاطر المرتبطة بالإسلام السياسي المنظم. هذا التقارب أدى إلى سد الثغرات القانونية التي كان التنظيم يستخدمها لإعادة التموضع. اليوم، لم تعد حيل “التقية السياسية” أو تغيير المسميات التنظيمية تنطلي على أجهزة الاستخبارات والرقابة المالية لتلك الدول، التي باتت تنظر إلى “الجوهر التنظيمي” للجماعة لا إلى “اللافتة الدعوية”.

أوروبا وبريطانيا والولايات المتحدة

تمثل التجربة الأمريكية في التعامل مع ملف الإخوان خلال الأشهر الأخيرة تحولاً جذرياً. فقد انتقل الملف من أروقة مراكز الأبحاث والجدل السياسي في الكونغرس حول تصنيف الجماعة كـ”منظمة إرهابية” من عدمه، إلى مستوى “الإجراءات التنفيذية” الصارمة التي تستهدف الشبكات المالية والوظيفية.

يعكس هذا التحول نهاية مرحلة “الفصل الدبلوماسي” بين فروع الجماعة؛ حيث باتت المقاربة الأمريكية الحالية تعتبر البنية الإخوانية وحدة واحدة مترابطة من حيث الأهداف الاستراتيجية. أدى هذا التطور إلى تشديد غير مسبوق في الرقابة على التدفقات المالية العابرة للحدود، وإعادة تقييم شاملة لعلاقات بعض المؤسسات الوسيطة داخل أمريكا، خصوصاً تلك التي كانت تعمل في مجالات اجتماعية أو خيرية وتتخذ منها ستاراً للنشاط التنظيمي. وبذلك، تحول الملف من قضية “حريات وتعبير” إلى قضية “أمن قومي” مرتبطة بمكافحة التمويل غير المشروع والتنظيمات العابرة للدول.

في القارة الأوروبية، وتحديداً في لندن، التي كانت تاريخياً الملاذ الآمن لقيادات التنظيم دولياً، برز تحول عميق في مطلع 2026. تصاعدت النقاشات داخل الدوائر الحكومية والبرلمانية البريطانية حول ضرورة مراجعة نشاط الشبكات المرتبطة بالإخوان، لا سيما في البيئات الحساسة مثل الجامعات والمؤسسات المدنية الكبرى.

وعلى الرغم من تجنّب الصدام القانوني المباشر والشامل أحياناً، إلا أن الاتجاه العام يشير إلى انتقال من سياسة “الاحتواء والدمج” إلى سياسة “المراقبة الأمنية الناعمة”. مع إدراك متزايد بأن خطر التنظيم لا يكمن في العمل المسلح المباشر في أوروبا، بل في “النفوذ غير المباشر” الذي يمارسه عبر شبكات معقدة تعليمية وثقافية تهدف إلى خلق مجتمعات موازية. هذا الوعي الأوروبي الجديد وسّع دائرة المراقبة لتشمل أنشطة كانت تُصنف سابقاً كعمل مجتمعي بريء، ما جعل التنظيم يشعر بأنه تحت مجهر دائم لا يغفل عن أدق تفاصيل تحركاته.

تفكيك “الأخطبوط المالي” والشبكات الوسيطة

المال، من دون أدنى شك، هو عصب التنظيم الدولي وعموده الفقري. ومن هنا جاءت الضربة الأكثر إيلاماً، بعد أن جرى التضييق على مسارات التمويل والتحويلات المالية للإخوان حول العالم، وإغلاق مكاتبهم ذات الصلة، ومراجعة العلاقات المالية غير المباشرة وشبكات الصرافة، والشركات الواجهة الخاضعة لسيطرتهم.

هذا الضغط أدى إلى تفكيك القنوات الوسيطة التي كانت تضمن تدفق السيولة بين فروع التنظيم في آسيا وإفريقيا وأوروبا. والنتيجة كانت تحول التنظيم من “مركزية مالية” قوية إلى “بنية مفتتة” تعاني من شح الموارد وزيادة كلفة العمل التنظيمي. لقد فقدت القيادات القدرة على توجيه الأموال لدعم الحملات السياسية أو الأنشطة الدعوية في الخارج، ما أدى إلى حالة من “الشلل الوظيفي” في مفاصل التنظيم الدولي.

نتيجة لكل هذه الضغوط المتراكبة، اضطرت الجماعة للتخلي عن نموذج “التنظيم المركزي الهرمي” الذي ميزها لعقود، لتتحول إلى ما يمكن وصفه بـ”الشبكة المتقطعة”. في هذا النموذج الجديد، لا توجد قيادة موحدة تمتلك سلطة القرار الملزم لكل الفروع، بل نقاط محلية متناثرة تعمل بقدر من الاستقلالية الإدارية والتنسيق المحدود.

هذا التحول، وإن كان يمنح الجماعة قدرة على البقاء المادي وتجنّب الضربات الشاملة، إلا أنه يسلبها أهم ميزاتها التنافسية، وهي وحدة الهدف والتحرك الجماعي. ليتحول التنظيم من “فاعل سياسي منظم” قادر على قلب المعادلات، إلى “بنية اجتماعية وسياسية مأزومة” وغير متماسكة، تفتقر إلى رؤية استراتيجية موحدة لمواجهة التحديات الراهنة.

التشدد في تعريف “الدعوي” و”الخيري”

في موازاة التضييق السياسي، برز توجه دولي لإعادة تعريف حدود العمل الخيري والديني في الفضاء العام، إذ خضعت الجمعيات التابعة أو المرتبطة فكرياً بالإخوان لعمليات تدقيق مالي وإداري صارمة في عدة دول أوروبية وعربية.

لم يعد النقاش يدور حول “هل تمارس هذه الجمعية الإرهاب؟”، بل “هل تخدم هذه الجمعية أجندة تنظيم سياسي عابر للحدود؟”. هذا التشدد وسّع دائرة الملاحقة لتشمل النشاط الديني التقليدي الذي كانت الجماعة تتخذه ستاراً للتعبئة، لتفقد بذلك أحد أهم أدوات “القوة الناعمة” التي كانت تستخدمها لكسب الولاءات الشعبية والتوغل في المجتمعات.

إن ما نعيشه في مطلع 2026 ليس مجرّد موجة تضييق عابرة، بل هو عملية “تجريف” شاملة للمساحات التي نمت فيها الجماعة تاريخياً. المواجهة اليوم لم تعد قائمة على تباين السياسات بين الدول، بل على إجماع دولي ضمني يعيد صياغة العلاقة بين الدولة الوطنية الحديثة والتنظيمات الأيديولوجية فوق الوطنية. 

لقد انتهى زمن “المساحات الرمادية”، ووجد التنظيم الدولي للإخوان المسلمين نفسه أمام واقع جديد لا يعترف إلا بالسيادة الوطنية والشفافية القانونية، ما يضعه أمام خيار واحد: التفكك الهيكلي أو العزلة التامة عن مجريات التاريخ.